ارشيف مقالات وآراء

• شخبطة على الحائط : الحلاج قال انا من اهوى ومن اهوى انا علقوه على جسر بغداد

توما شماني

 

 

شخبطة على الحائط :

الحلاج قال انا من اهوى ومن اهوى انا علقوه على جسر بغداد

الحلاج قال اقتلوني ان في قتلي حياتي ومماتي في حياتي

 

قرأت (الحلاج) فعشقنه مذ كنت في الثانوية القائل (انا من اهوى ومن اهوى انا) كان يؤمن بالحلولية. ثم يتمم قصديته يقول (نحن روحان حللنا بدنا، انت ان ابصرتني ابصرته واذا ابصرته ابصرتنا) علقوه على جسر بغداد. الذي فعله (الحلاج) احرج الصوفية في طرقهم المعهودة في النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى، ظهرت صيغ جديدة في الصوفية تطورت المفردات المتداوله بينهم  لتصبح اكثر دقة. تبدلت اكثر ما تبدلت فى شطحات (البسطامى) التي تحمل المعنيين، الضاهر والباطن التي ظهرت في كتاب الطوسى (اللمع فى التصوف)، حيث جاء فيه (أَشْرَفْتُ عَلَى مَيْدَانِ اللَّيْسِيَّةِ، فَمَا زِلْتُ أَطِيرُ فِيهِ عَشْرَ سِنينَ، حَتَّى صِرْتُ مِنْ لَيْسَ فى لَيْسَ بِلَيْسَ، ثُمَّ أَشرَفتُ على التضييعِ، حَتَّى ضِعْتُ فىِ الضَّيَاعِ ضَيَاعاً) هذه الفاظ مستجدة لم تالفها اللغة العربية. اشعل (الحلاج) النار في هذه الشطحات الافكار والتصورات التي يحلم بها الصوفية ما تراه العامة من الناس واصحاب الفقه، لم يكن (الحلاج) وحده في اشعال هذه الاحلام الصوفية التي جاء بها، فعل مثله رفيقه (أبو بكر الشبلى) الذي جاء هو الآخر بشطحات بعبارات اخرى بيد انه يوم واجهوه ادَّعى الجنون ادخل البيمارستان قال (أنا والحلاج شئ واحد، فأهلكه عقله وخلَّصنى جنونى). في بغداد عام 922، فُهمت كلمة (الحلاج) التي نطقها (أنا الحق)، أي (أنا الحقيقة المطلقة)، أي (الله)، كتعبير لمتعالٍ في الذات، حيث اتهموه بالحلولية الحقيقة انه كان يدعو الى إسقاط الفرائض فرأوه مرتدا ملحدا رغم ان في كتابه (الطواسين) أجمل أنشودة يمتدح فيها (الرسول). كان كبار المتصوفين في كافة العصور يعجبون بحبه المطلق للخالق مشى بعده (الغزالي) عندما تخلى عن وظيفته. المعروف عن (الغزالي) انه انكر العقل في كتابه (تهافت الفلسفة).

 

عاش (الحلاج) تجربتة الصوفية بصدقٍ وامانة غارقا فى طيف النور الإلهى. الا ان الذي اثار الغضب ما قال انه يمكن تحقيق فريضة الحج ان أفرد المرء فى  بيتهً، وطاف به أيام الموسم، ثم جمع ثلاثين يتيماً، وكساهم قميصاً قميصاً، وعمل لهم طعاماً طيباً، أطعمهم وخدمهم وكساهم، وأعطى لكل واحدٍ سبعة دراهم أو ثلاثة، إذا فعل ذلك، قام له ذلك مقام الحج. في محاكمته التفت القاضى إلى (الحلاج) ساله (من أين لك هذا؟) اجاب (من كتاب  للحسن البصرى). اجاب القاضي (كذبت ياحلال الدم)، رد (الحلاج) أكتب بهذا،  ألحَّ عليه (الحلاج) قدَّم له الدواة، (الحلاج) كتب (اقتلوني ان في قتلي حياتي ومماتي في حياتي)، جاءه صاحب الشرطة ضربوه ألف سوط، بعده حزوا رقبته، قبيل حَزَّ رقبته، نظر إلى السماء مناجياً ربه قال (هَؤَلاءَ عِبَادُكَ، قَدْ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِى تَعَصُّباً لدِينكَ فاغْفرْ لَهُمْ ! فإنكَ لَوْ كَشَفْتَ لَهُمْ مَا كَشَفْتَ لِى، لما فَعَلُوا ما فَعلُوا). 

 

الشاعر (محمد إقبال) في ملحمته الفارسية الخيالية (جاويدنامه)، أي (كتاب الخلود)، قال (الحلاج في شطحاته حاول احياء معاصريه الموتى روحياً وفكرياً وتحريرهم من الاجترار والمتوارث الخالي من الروح وجعله واحدا من قليلين في تاريخ الفكر الإسلامي. ومن تجارب الحلاَّج الشعرية، قوله فيما يلبس من رَثَّ ثياب – القشر - التي تخفى نفساً كريمة اللُّبّ). (الحلاج) قال (لَئِنْ أمسيتُ فى ثوبى عديمٍ، لقد بَليا على حُر كريــمِ) اشد ما قاله شعرا في حلوليته اثار الحفائظ عليه قوله (مُـزِجَتْ روحك فى رَوحى كما  تُمــزَجُ الخمـرةُ بالمــاءِ الزِّلالِ) اشد ما فيها من خطوره قوله (كما تُمــزَجُ الخمـرةُ بالمــاءِ الزِّلالِ) يراها نشوة (خمر المحبة) ليس الا، بيد ان (الحلاج) ينفي مافسروه يقول عن المزج (مَنْ ظنَّ أَنَّ الأُلُوهِية تَمْتَزِجُ بالبَشَريَّةِ، فقَدْ كَفَر). عن الحلولية يقول (إِنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ هِىَ تَوْحِيدُهُ، وتَوْحِيدُهُ تَميُّزُهُ عَنْ خَلْقِهِ، وكُلُّ مَا تَصَوَّرَ فِى الأَوْهَامِ فَهْوَ ــ تعالى ــ بِخِلاَفِهِ، كَيْفَ يَحُلُّ بِهَ، مَا مِنْهُ بَدَأ). قيل في عام 309 هجرية اخرج (الحلاج) من سجنه، جُلد، قُطعت يداه ورجلاه، وشُوِّه، وصُلب، وقُطعت رأسه، أُحرقت جثته لانه رفض التحجر الذي كان سائدا. قيل انهم قطعوا رأسه فتدحرج رأسه على الارض وهو يكتب الله الله الله بالدم.

 

الصوفية قبل (الحلاج)، كانت على وجه أخر، سألوا (الجنيد البغدادي) عن المعرفة والعارف، اجابهم (َلَوْنُ الماءِ لَوْنُ إِنَائهِ). عبارة خالية من الاجابة. (الحلاج) لم يتبع الـتراث الصـوفـى. صار يؤسِّس تراثاً لغوياً صوفياً، كان يقول (للعلم أهلٌ وللإيمان ترتيــبُ) (الحلاج)  لم يستطع الخروج من محنته، كغيره من المتصوفة، كـ (ابن الفارض) و (جلال الدين الــرومي)، اذ انتهى الى قطع الراس. سببت كتابات (الحلاج) له النقمة، أدانوه بالحلولية حلول الله بالبشر استثقلوا ذكره لتعبير (اللاهوت والناسوت) الواردة في الفكر المسيحي. من الألفاظ التى لجأ إليها الحلاج ايراده، تعبير (شعشعانى) احتد عليه الوزير (علىّ بن عيسى) قائلاً له (كم تكتب ويلك ما أحوجك إلى أدب). كان (الحلاج) يصرخ فى أسواق بغــداد (أيهــــا الـنـاس اقتلونى فحياتي في مماتي). انتهى به الامر ان علق على جسر بغداد كما تقول احدى الروايات. ان فاجعة (الحلاج) هي مانراه اليوم فالاطباء واساتذة الجامعات يعلقون على جسور بغداد بالجملة.

 

توما شماني

عضو اتحاد المؤرخين العرب

عضو اتحاد الصحفيين العرب

مرشح جائزة كالنكا لليونسكو للامم المتحدة

تورونتو كندا متطوع في جمعية الدفاع عن المعذبين لاكثر من 15 عاما