توما شماني
شخبطة على الحائط :
قراءة في منهج (فرانسيس فوكوياما)
التحذيـر من التصـدُّعِ العظيــــم
نهاية التاريخ والإنسان الأخير
ربنا قنا من هذه المختبرات غير المنظبطة
حقق صاحب كتاب (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) انتشارا عظيما لم يحققه أي مفكر أميركي من قبل في زمن احتدمت به الأفكار والنظريات علي حد سواء، ما بين فكرة وأخري بون شاسع لا يصل إلا علي اختلاف بَيِّنٍ، والامتياز بالجدل المتواصل حول قضايا الإنسانية الشاملة التي تتواصل عليها التغيرات االأفكار الجيدة التطبيق تلتزم بجدية ما ينعكس من اثر علي الواقع، يكون لها عمق فاعل في المكان والزمان، يستشف عبره بان نهاية التاريخ تذهب إلي فنائها بعد أن اخذ الإنسان بفناء الإنسان، من خلل تطويره لأسلحة الدمار الشامل، أيضا للآلة الحرب البايلوجية (فيروسات) الأمراض الخبيثة، الإنسان الذي بقي طامحا متحديا كل ما حوله من اجل الاستحواذ الكامل علي أخيه علي الإنسان، مطورا بحمية لكل شيء، حتي تدخل بخبرته الدقيقة في علم الوراثة راح متابعا بحوثه المختبرة من اجل أن يصنف جينات منتخبة يننتج منها (السوبر إنسان) كما حلم ذات يوم (نيتشه).
العبقري الشاب (فوكوياما) المولود في مدينة شيكاغو عام 1952 من أصول يابانية أو آسيوية، تدرّج في الوظائف بسبب همته الناشطة، إدراكه بان الإنسان لابد وان يرتقي بحرصه ومثابرته العلمية إلي أعلي الدرجات، تقلد عدة وظائف فاعلة كمثقف فاعل، قبل أن يُعين مستشارا مهماً في وزارة الخارجية الأميركية، من ثم تحول إلي التدريس الجامعي الأكاديمي، وأصبح من أشهر أساتذة الجامعات في الولايات المتحدة. حيث عرف من كتبه وأبحاثه المنشورة بأنه واسع الاهتمام بالقراءة والتقصي ثقافته ليست محدودة بمرجعية فلسفية اقتصادية، باحث في العلوم السياسية أيضاً، يري البعض أن الأفكار السياسية لـ (فرانسيس فوكوياما) تحقق الكثير الاقتراب من تيار المحافظين الجدد، له بصمة واضحة في ادلجة مشروع القرن الأميركي الجديد. المشروع الذي كشفت عنه إدارة الولايات المتحدة عام 1997. كان من أول الموقعين علي عريضة سياسية مرفوعة تدعو الرئيس (بيل كلينتون) إلي قلب نظام (صدام حسين)، كانت أول خطوة نفذها (جورج بوش) عام2003، لم تعجب (فوكوياما) طريقة التنفيذ، بشجاعة مثقف يدرك ما عليه فعله، صار داعيا إلي استقالة وزير الدفاع (دونالد رامسفيلد). (لقد تأسست الدولة الليبرالية الحديثة علي مبدأ عدم تدخل الحكومة في المطالب الأدبية والأخلاقية التي تطرحها الاتجاهات الدينية والتقليدية، وذلك من اجل تحقيق السلام السياسي في البلاد، لذلك، فقد تم الفصل بين الكنيسة والدولة، وتقرر اتخاذ القرارات بإتباع أراء الأكثرية حول المسائل والقضايا الأخلاقية بخصوص الأمور الحاسمة، أو بخصوص تعريف ما هو خير المجتمع).
(فوكوياما) في كتابه الجديد الذي اسماه \(الانهيار، أو التصدع العظيم) باحثا بعمق في الفطرة الإنسانية وإعادة تشكيل النظام الاجتماعي، معبرا عن قلقه الجدي في مصير الإنسان المعاصر الذي سوف تبتلعه الآلة الهائلة (الكومبيوتر) التي اخترعها متداخلة بكل إنسانيته، يتوقع أن تحتله مستقبلا تستعبده لغاياتها. من بعد أن تخترع له جدول اقتصاده، بدقة من لا يخطيء أبدا. متمما بكتابه مستقبلنا ما بعد البشري انعكاسات الثورة البيولوجية ـ التكنولوجية علي الإنسان، عبّر (فرانسيس فوكوياما) عن قلقه من آخر المسارات العلمية المتطورة التي توصلت إليها العلوم البيولوجية وبخاصة علم الأعصاب والدماغ، قال (إن الصورة البيولوجيةـ التكنولوجية الحالية قد تُطبَّق علي الإنسان وتؤدي إلي تغيير طبيعته. وسوف تكون لها انعكاسات خطيرة علي النظام السياسي نفسه، هذا يعني أن العالم سائر بشكل واع أو لا واع، مباشر أو غير مباشر، نحو هدف محدد بدقة، ألا وهو تحقيق الحرية والديمقراطية والنظام الليبرالي التعددي بصفته أفضل نظام للبشر وآخر نظام، فما بعد الديمقراطية اللا الديمقراطية، ما بعد الحرية إلا الحرية. بالتالي فالتاريخ سوف يصل إلي نهايته، إلي غايته و مبتغاه بعد تعميم النظام الديمقراطي علي كل المجتمعات البشرية الأخري التي لم تنعم به حتي الآن)، ويعطي الدليل علي صحة نظريته (انهيار الشيوعية وانتصار الليبرالية الديمقراطية عليها). بالتالي فلم يعد هناك أي منافس فاعل للنظام الفاعل بعد انهيار (الاتحاد السوفييتي). مثبتا للقراء بأنه فيلسوف بالمعني العميق للكلمة، فيلسوف علي طريقة (هيغل) في علم الجمال وتلميذه الفرنسي (كوجييف) ذلك الذي قاس كل فكرة بما تحمل من جمال، يستعيد الفكر النقدي الأوروبي بجدل حرّ مقنع لأجل صياغته بطريقة أميركية حريصة علي الحضور بفعلها المتقن، من ثم تصديرها بعدئذ إلي كل دول العالم (النامي)!، خاصة تلك التي أبعدتها أنظمتها عن دورها الحقيقي في العيش والنماء،
(فوكوياما) في كتابه الجديد هذا يستخدم الطريقة نفسها في التواتر والاستفزاز، مقدما الدليل تلو الدليل، بعد إعلانه عن نهاية التاريخ، نجده الآن يعلن عن نهاية المجتمعات، وهو يدق ناقوس الخطر المفزع، ويقول أن الطبيعة الإنسانية أصبحت مهددة، وان العولمة الغازية الطاغية سوف تقسم المجتمع إلي كل فرد لوحده قائم بنظام اجتماعي واحد، معزول لذاته ينتج ويتفاعل من مكانه بكوميوتره. أثبت (فرانسيس فوكوياما) في هذا الكتاب انه مطلع علي النظريات العلمية بشكل دقيق يعرف عما يتحدث، وبالتالي فهو يتنبأ بطريق المستقبل بناء علي قراءاته الواسعة وملاحظاته المحسوسة. في كتابه الثاني (يحدثنا عن كيفية تكون المجتمعات، ويلخصها بفكرة تلاشيها في عالم الانترنيت الاجتماعي فهو يطرح نهاية المجتمع وعزوف أفراده إلي العزلة الفردية والعزوف عن الارتباط إلا عن طريق الاتصال فزحمة المشاغل تجعل من الإنسان كائنا منتما إلي حاسوبه الشخصي وعبره يسير أمره، فالكتاب يشكل خطورة أكثر بجدية موضوعية لما يبغي إثبات ما يرمي إليه، وهو كتاب قد حوي ثلاثة أجزاء رئيسة الأول أعطاه اسم (التصدع العظيم ) مقسما إياه إلي سبعة فصول فرعية بدءا من (الالتزام بقواعد اللعبة) أو التطور الاجتماعي إلي ما بعد ما بعد الصناعي، مجتمع المعلوماتية، حيث المعرفة بكل شيء هي مصدر الفرد والمجتمع، يبدو (فرانسيس فوكوياما) ذا نزعة (جمالية- هيغلية) متفائلا بمسار التاريخ، ووجهته الواضحة رغما من كل المحن والصعاب والأزمات، يطرح عبر نهج خاص به مشكلة الطبيعة والثقافة، الطبيعة البدائية، حضارة المجتمعات. وما بعد المعلوماتية أو العولمة. (فهل كل شيء يعتمد علي الطبيعة يا تري؟) أم إن الثقافة والحضارة تؤدي دورها ينتج عن ذلك إن مصير الإنسان ليس مرتبطاً فقط بما سيطرأ علي طبيعته البيولوجية، وإنما أيضاً بشكل خاص بما سيطرأ علي تفكيره وثقافته من تطورات. بالتالي الثقافة تتحكم بالطبيعة مثلما أن الطبيعة تتحكم بالثقافة بتركيبة الإنسان ككل. بحث في الجريمة المنظمة، والمخدرات، والعائلة، والثقة، والحكمة التقليدية إضافة إلي المسببات الديمغرافية والاقتصادية، والدور المميز للنساء. ثم النتائج المباشرة للانهيار الاجتماعي أو التصدع الحتمي.
الجزء الثاني: حول أصل القيم الأخلاقية، متسائلا من أين تأتي القواعد السلوكية وانطباعها بمرور الزمن علي الطبيعة البشرية أو النظام الاجتماعي، ومنشئ التعاون بالتنظيم الذاتي عبر التكنولوجيا والشبكات ورأس المال، بحدود التلقائية وحتمية السلطة الهرمية.. حتي يصل بنا الجزء الثالث: الترميم العظيم، وهل تستنزف الرأسمالية رأس المال الاجتماعي و أعادة بناء الماضي والحاضر والمستقبل. ولكن ليست هذه هي المرة الأولي التي يبدو فيها (فوكوياما) استفزازياً. من جدل احدث كتابه (نهاية التاريخ) الصادر عام 1989. يقول في أطروحته المركزية ما يلي: (التاريخ له معني أو وجهة محددة مرسومة سلفاً: ألا وهي تعميم الديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي علي جميع شعوب العالم). يجنح في مبحث عميق ينظر من عمق الولايات المتحدة كمجتمع متحضر، يكشف الكيفية الدقيقة بدقة الباحث الجريء، (معدل العمر في الولايات المتحدة انتقل من 48 عام بالنسبة للرجال إلي 74 عام بين عامي 1900- 2000. انتقل من 46 عام بالنسبة للنساء إلي 79 عام في الفترة ذاتها) باستمرار بين قطب التشاؤم، وقطب التفاؤل فيما يخص مستقبل الإنسان. من جهة يقول بان البشرية قادرة علي التحكم بعلم البيولوجيا العصبية، يقول (باستحالة هذا التحكم! فإذا استطعنا ان نتحكم بمسيرة العلم فإننا سنتحاشي بالطبع الكارثة المتوقعة وإذا لم نستطع فسوف نسير نحو مصير مجهول لا يعلم إلا الله شكله ونوعيته. والواقع أن نتائج علم البيولوجيا العصبية سوف تنعكس علي النظام الاجتماعي والسياسي وليس فقط علي طبيعة الإنسان وخلاياه ومورثاته الدماغية والعصبية سوف تودي إلي عالم أقل مساواة وعدلاً. ممهدا البحث إلي تواصل البحث بالبحث)
(فوكوياما) في كتابه الجديد (مستقبلنا ما بعد البشري) الذي يتألف من ثلاثة أجزاء، أيضا، كل جزء من عدة فصول، الجزء الأول تحت لافتة (الطرق إلي المستقبل) فيه يتحدث عن علم الدماغ البشري وتركيبته العامة، يشرح باقتدار عن علم الأعصاب البيولوجية، وعن العقاقير الطبية وتأثيرها علي الأنسان وكيفية تحكّمها بسلوك الإنسان. في التلاعب بمورثات الخضروات والفواكه نجد الجدار صلبا ينبغي تقشيرها هناك نبتة بيتية اوراقها سامة سممت طفل ونبتة عالية على راسها شبه وردة ترسل في الفضاء حبيبات عندما تقع على اليد او الوجه تسب جروحا عميقة. ربنا قنا من هذه المختبرات غير المنظبطة.
توما شماني
عضو اتحاد المؤرخين العرب
عضو اتحاد الصحفيين العرب
مرشح جائزة كالنكا لليونسكو للامم المتحدة
تورونتو كندا متطوع في جمعية الدفاع عن المعذبين لاكثر من 15 عاما