عزفٌ على أوتار الغربة واليقين: مع الشاعرة اللبنانية سامية برهومي

حوار عطا درغام

 

نلتقي اليوم في هذا الحوار الاستثنائي لنبحر في عوالم الكتابة والألم، ونفتش في دفاتر الذات والوطن والروح الإيمانية النظيفة. ضيفتنا الليلة شاعرة اختارت أن تسير بحرفها في دروب وعرة، ترفض الاستسهال، وتجعل من الوجع طاقة للبناء والتطهير، ومن الكلمة جداراً يحمي الهوية ويرفض التبعية. نفتح معها مغاليق النص، ونطوف بين محاريب الذاكرة وكواليس الفضاء الثقافي الرقمي، لنقترب أكثر من نبض قصيدتها وعمق بصيرتها.

 

1) في نص "هجرة الحرف"، تتبدين كمن يختار الرحيل بصمت نحو محطة ليست غربية عنكِ؛ إلى أي مدى تعتبرين الكتابة هروباً من واقع ثقيل أم تورطاً أعمق في أتون الأسئلة؟

هجرة الحرف كحركة رمزية، تعكس ثورة شخصية كخطوة أولى في محاولة لتغيير واقع لا يخدم الحرف الحر من حيث الارتقاء بالفكرة. وذلك من خلال مغادرة الفضاء أو استبداله بما يتماشى مع طموح الكاتب ، هذا الذي يحارَب بأساليب شتى مثل إقصائه أو محاولة استفزازه أو عدم إيفائه التقدير الذي يستحقه في مقابل الانحياز لمحتويات تعبر عن ميولات شخصية ضيقة الأفق مبتذلة بتطلعات لا تتجاوز الأقدام ..تبقى هجرة الحرف احتمالًا قائمًا كبحث دائم عن المرفئ الذي يستحق أن تحط في أرجائه أجنحة الكلمة الحرة نهوضا بالحرف العربي النبيل كرسالة ومبدئ .ليست الهرب بل هي الحرب ضد التهميش والمحسوبية .. هي رقي عن الذوق السائد من انقياد لما يطلبه الجمهور ورفض للمحاباة الرخيصة ..

 

2) ترفضين في تصريحاتك السرد المبذول والإستراطاد، وتدعين لتفكيك بداية السطر بواو العطف؛ كيف توازنين بين تدفق القريحة وصرامة الهندسة الشكلية للنص؟

 من وجهة نظري و رؤيتي للشعر والخاطرة الشعرية على أنه نتاج له شروطه من تكثيف للمعنى ورمزية معقولة من حيث الدعوة للتأمل وطرح احتمالات التأويل مع اختلافه عن النثر بتجنب الاستطراد والتوسع في استعمال المفردات والإطالة التي لا تضيف للنص تجنبا للابتذال ..كما تجنُّب بدئ السطر بواو العطف لا يعد تقييدًا للمعنى وفق صرامة هندسة شكلية للنص إذا أردنا إنتاج مضمون شعري له طابعه المختلف ..وبدليل أنني من مناصري الشعر الحديث ،الذي يتحرر من بوتقة القوالب الجامدة والقوانين الموضوعة من تقييد المعنى وفق المبنى إيمانًا مني بأن الشعر رسالة تتناول بالحوار أعماق القارئ بما يجد من تفاعلات مع لغة وجرس موسيقي ووقع يرضي ذائقته الفنية ويعبر عن وجدانه .

 

3)  العنوان لديكِ ليس مجرد عتبة، بل هو بؤرة اشتعال (مثل: "فوضى"، "رفعت الجلسة"، "على متن الحنين")؛ كيف تستدرجين العنوان ليكون مفتاحاً طارداً للسطحية؟

العنوان يجيئ عادة عميق المعنى قوي الوقع ؛لأنه يختزل مخاض تجربة شعورية حاورت الوجدان الإنساني منذ الشرارة الأولى للفكرة مرورًا بتوالدها ،وصولًا لآخر ما أريدَ قوله ..وبالتالي ،فإن العنوان كجزء أساسي ومستهِل للنص عليه أن يكون رغم إيجازه مختصرًا للمعنى العام بكثافة تنجح بإيصال المعنى دون اختلاف عما يليه بما يتقيد بالموضوع المطروح للكاتب .

4)  يتقاطع في شعركِ العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر؛ هل تختزلين هذه الأشكال في مجرد أدوات تعبيرية، أم أن كل قالب فني يمثل حالة سيكولوجية مستقلة لا يصح سواها؟

الشعر العمودي والتفعيلة أو القصيدة النثرية أو الخاطرة الشعرية أو الشعر الحر .. كلها تفرعات تصب في معين واحد من وجهة نظري ؛لأنها وإن اختلفت شكليًا أو ارتبطت بشروط موضوعة تبقى شعرًا متصلًا الاتصال المباشر بالإنسان، من خلال تناولها لقضاياه بأسلوب معين يعتمد على الرمزية والتكثيف، بطرح فني تختلف فيه الأذواق والميولات من حيث اختلاف الرؤيا وتباين الآراء ..

 

  5) تصفين بعض النصوص بكونها "رديئة" أو تبحث عن استهلاك الجمهور؛ أين تبدأ حدود المسؤولية الأخلاقية والجمالية للشاعر تجاه متلقٍ غارق في الاستسهال؟

الأدب بصفة عامة رسالة ومسؤولية ،يراعي فيها الكاتب ضوابطه بين الحدود والآفاق ..جمالية النص واقتناعه الشخصي بنزاهة محتواه ،قد لا يتوافق عادة مع ما يطلبه الجمهور ..وفي سخرية هادفة ومواجهة جريئة مع  فئة من القراء، يعتبرها من الأغلبية الساحقة .للأسف قد يصف الكاتب نصوصه بالرديئة من العنوان؛  فيستدرج فضولهم ليواجههم بمرآة تبرز ابتذالهم للمعنى وسطحية نظرتهم  للشعر ،وبالتالي انتضاراتهم منه .

 

المحور الثاني

   6 الفقد في نصوصكِ (كرحيل الأب والأم) لا يُقارب بلغة الشكوى التقليدية، بل كـ "زلزال يضرب البنى التحتية للروح"؛ كيف يتحول الألم عندكِ من عاهة شعورية إلى طاقة إنتاجية؟

أعتقد بأن الألم صديق الإنسان وصانع إبداعه ؛لأن المعاناة الإنسانية بشتى أنواعها وتفرعاتها تستفز طاقاته الإبداعية في استنطاق القريحة، بما يفجر إبداعه نطقًا حيًا بما تعتمل به أعماقه من انفعالات مختلفة ،يبقى الألم فيها هو العتبة الأقوى واللغة الأكثر قدرة على المحاكاة  وخاصة ألم الفَقد . طبعا ،دون الاستهانة ببقية العواطف الانسانية والانفعالات النفسية ..

الأديب أو الشاعر هو عادة شخص على درجة عالية من الحساسية، التي تضاعف شعوره بوقع الحدث أو الإحاطة  بجوانب ما يختلج في أعماقه. وبالتالي؛ فإن ردة فعله في التعبير المباشر تأتي عادة بصفة تلقائية، بما يناسب السياق من شعر أو خاطرة أو سرد أو غيره من أساليب فنية مختلفة ؛تماشيا مع الذوق الفني الشخصي للإنسان .وذلك طبعا كاختيار تلقائي حر .. كما أن الأديب قد يطوّع القلم وفق الفكرة مادام يؤمن بها في قدرة على التخيل والتوسع حتى إن خضعت لنظام خارجي أو إملائي معين من معطى ومطلوب ..مثل البرامج الأدبية أو السجالات الشعرية التي تعتمد على الارتجال ..

 

7)  تقولين في إحدى ومضاتكِ: "أنا امرأة لا تحتاج لحجر عثرة.. بقدر حاجتها للاستمرار"؛ هل تجدين أن الاستمرار الإبداعي يتغذى بالضرورة على ديمومة المعاناة؟

مع ذلك لا يعني بأن مواصلة الإبداع رهينة باستمرار المعاناة ،بل هي القاعدة التي أطلقت العنان لقدرات إبداعية تظل تحاور القريحة إلهامًا يظل يتجدد تصورا وتوسعًا ..

 

8 )  يبرز عنصر "الطفلة" و"البراءة" كثيراً في مواجهة قسوة العالم (مثل: "الصغيرة البريئة كطفلة.. تأبى ركوب القطار")؛ هل العودة للطفولة هي الهروب الأخير للشاعر من قبح الواقع؟

    في رحلة البحث عن الذات يتوقف الشاعر عند محطات رحلته في تأمل وتساؤل يفضي في أعماقه على تعرف يحيط بجوانب شخصيته ومكوناتها ابتداء من الجانب الطفلي داخله ..ذلك الذي يطفو على السطح حنينًا وتعلقًا بالوجه الأجمل والأبيض النقي والمسالم في محاولة دائمة للتصالح مع الذات وتعلقًا بالجانب الفطري حرصًا واعيًا و تطهيرا ووقاية من تغلب دنس هو في حد ذاته من ثنائيات وتناقضات النفس البشرية في انتصار للخير والقيم استحضارًا وتحقيقًا للرقي الإنساني ما أمكن.

 

9) عندما يتوقف عقل الحيرة عند "منتصف القصر"، كيف تتعامل الشاعرة مع لحظات النضوب الداخلي وصمت الراعشة الشعرية؟

في مقال كتبته بعنوان تراجيديا الكتابة على ركح الواقع ..نقلت فيه وجهة نظري عن توقف الكاتب عند منتصف الحيرة ..عندما تتحول الكتابة إلى محاورة مع أعماق لا تتوقف عن التساؤل والنتقيب عن الحقيقة ،سيصبح على الكاتب الموازنة بين توق المادة وجنوح الروح ..الكتابة كتطهير هي المواجهة الشجاعة مع مرآة الذات مصالحة ..

 

   10) إلى أي مدى تمثل الكتابة عن الوجع الشخصي نوعاً من "التطهير الأرسطوئي"، ومتى يتحول البوح إلى عبء على صاحبه؟

الكتابة كتراجيديا تطهيرية تتجاوز الأخذ في الاعتبار الأحكام السطحية و التطلع للتصفيق الجماهيري الأبله، قد تبدو في ظاهرها نوعًا من الحمق أو الإنتحار المعنوي ..الكاتب هنا لا يفضح ذاته بقدر ما يتعرى علنا أمام مرآته. وبالتالي يتحمل تبعية ذلك مدفوعا بغريزة البعث الذي يرتقي بالروح ..

 

المحور الثالث

11)  في قراءتكِ لما يجري في غزة، ترصدين تحول أرواح الأنام إلى "أرقام" وتنتقدين عجز المؤسسات؛ أين ينتهي دور الشاعر كـ "رائد قومي" وأين يبدأ كـ "إنسان مكسور" أمام المشهد؟

الكاتب في التحامه المباشر مع قضاياه الوطنية والقومية والعالمية ،هو في رصد دائم للأحداث التي تمس جوهره الإنساني تفاعلًا وتجاوبا بما تمليه عليه قريحته في محاولة للمساهمة بصوته ودور رسالته الأدبية في التعبير عما يشغل مجتمعه ، وخاصة إذا تباينت ثورة الجمهور مع هوان الساسة فيصدح الحرف ..

أثناء أحداث غزة أسال أدباء من أنحاء العالم حبرًا لا يحصى ؛فكانت الكلمات كمرجل يعتمل داخل أتون مكتوم ..عندها وفي سقوط اكتئابي حاد كفرت بالحرف؛ لأن الكلمة عاجزة عن أن تتحول لرصاصة والقلم لصاروخ والعزف لقصف ..ثم توقفت عن الكتابة لمدة سنة تقريبا ..عدت بعدها أحاول ترتيب افكاري وتجديد إيماني بالقلم كموهبة ورسالة.

 

12) ترفضين الهوان المستتر تحت مظلة "شعارات السلام الإنساني" الوهمية؛ هل ترين أن الأدب العربي المعاصر بحاجة لثورة لغة تسقط أوهام التبعية للغرب؟

الأدب كرسالة يسلط الضوء على حقائق عارية ظلت متدثرة بالوهم ..لايخفى على أحد اليوم بأن الشعارات البائسة للسلام وتفعيل الإنسانية في العالم قد سقطت مسفرة عن زيف وادعاء باطل ..لكن مع ذلك، مازالت الأنظمة المسيطرة تتمتع بالنفوذ الفاعل الذي قدر على أن يتحكم التحكم المطلق في قضايا إنسانية جلية تفضح هوان الأمة في تبعيتها لغرب عرف كيف يفرض سيطرته على حساب كرامة الأمة العربية قاطبة بما فيها الخونة ومن باعوا الذمة ..الكاتب في مواجهة كل هذا الباطل يرفع صوته ؛فيكون قد أدى ما عليه في محاولة لاستنهاض الهمة ،واستفاقة العقول بالكلمة الحرة .

 

13)  في نص "إعادة نظر"، تنتقدين مقاييس "الدول العظمى" وتعيدين الاعتبار لقوة الروح والاتصال بالله؛ ألا تخشين أن يُفهم هذا الموقف على أنه هروب رومانسي من صلابة الواقع السياسي؟

 نص إعادة نظر فيه دعوة لسلب دول ظلت جاثمة بمواثيقها الباطلة على صدر الحقيقة من لقب أو مصطلح سياسي أخذناه طويلا على محمل الجد ،بإعادة ظبط المقاييس التي قد تعنينا ..

الجانب الروحي والديني أرقى وأرحب من أن يتقيد بمصطلح رومانسية وهو الأجدر والأولى بالأخذ بعين الإعتبار خاصة إذا قارنا وضعنا الراهن من هوان وتبعية بوضع المسلمين قديما لما فتحوا أعتى البلدان وحققوا العدل فكانوا سادة وقادة مقارنة تبرز الفرق بين زمن تمسك فيه المسلمون بالقرآن والسنة،وعملوا بها وزمن اختاروا فيه التبعية للغرب، راكعين تحت شبح الخوف والمحاباة والتبعية المخزية، حتى أصبحت قضية مثل غزة كأنها لا تعنيهم فهم لا يحركون ساكنًا ..

 

14) كيف تنظرين إلى تراجع تأثير الكلمة الشعرية في القرار السياسي والاجتماعي العربي لصالح لغة السلاح والمال؟

في مقابل لغة السلاح والمال .. تبقى اللغة الشعرية رغم كل شيئ الرسالة ،والكلمة النبيلة وصوت الحق الذي يصدح رغم قلة السالكين فيه ..ظلت الكلمة الحرة رفيقًا لا يخون في قيادة الثورات على امتداد الزمن لقدرتها على التأثير ،وإثارة الحمية دعوة لإعلاء رأية الحق و رغبة في التغيير ..

 

    15) وسط هذا الخراب العربي المحيط، هل ترين أن الالتزام بقضايا الأمة يفسد عذريّة النص الشعري أم يمنحه مشروعيته الكبرى؟

ولاعلاقة الإلتزام بقضايا الأمة بإفسادها ،إذ ما معنى أدب إذا لم يكن إلماما و انصهارا بقضايا جوهرية تعنينا وتمسنا في العمق .

 

المحور الرابع: محراب المناجاة واليقين (الروحانيات والمطلق)

   16)  النصوص ذات الطابع الروحي والإيماني عندكِ (مثل "حبا في الله" و"رفعت الجلسة") تحمل كثافة صوفية واضحة؛ هل هي حالة استباق للموت أم محاكمة للذات أمام المطلق؟

في نصوصي ذات الكثافة الروحية والحضور الديني العميق مناجاة ومحاسبةً للذات استحضار للمراقبة الإلهية حياء من الله واستجلابا لرحماته ،وهي ميول تختلف من شخص لآخر حسب عمق نظرته أو رغبتة في علو همته ..هي ليست استباقا للموت كهاجس بل استعدادا له كحدث لابد منه .. وليست محاسبة عن خشية بقدر ما هي استرضاء للذات الإلهية عن محبة ،ذلك أنها الذات المعنية بكل الحب ومطلق الحب تجاوزًا لمادية الخوف أو الطمع ..

 

   17)  تستحضرين دائماً مفردات الاستغفار واللجوء وسط زحام الفوضى؛ كيف يحمي الإيمان الشاعرة من السقوط في عبثية الوجود والعدمية؟

درجه إيمان الكاتب ومستوى وعيه كفيل بأن يعصمه  من السقوط في العبثية من ابتذال وفوضى ؛فترقى بمحتوى مضمونه .وبالتالي تجعل رسالته أجدى وأنفع لأنها تدعو للجمال الخالد بالروح، لا الزائل بالمادة وهو اختيار حر حسب الميول والإرادة الشخصية للكاتب

 

    18) عندما تقولين "أهيم فيك ربي فأذهل بك عمن سواك"، ألا تعتبرين هذا الذهول انفصالاً اضطرارياً عن شقاء الواقع اليومي؟

"أهيم فيك ربي فأذهل بك عمن سواك " هي جزء من مناجاة روحية، وهو ذهول ارتقاء وارتفاع روحي ،وليس هربا من واقع يختار الكاتب محاربته بوعي القلم.

 

19)  في زمن تعلو فيه أصوات المادية المطلقة، كيف يحافظ الشاعر على نظافة بصيرته و"عفاف وجوده"؟

 الإنسان المؤمن في علاقته مع الخالق هو أحوج ما يكون لتعهد عقيدته صيانة لها من الغفلة ..تصالحه مع ذاته يحقق توازنه وتقبله لذاته لا يعني استقلاله عن خالقه. وبالتالي؛ فإن الغاية واحدة وهي تحقيق السكينة الروحية ومحاولة الاستمرار على المنهج القويم استعانة بالله واستحضارا لمراقبته ومجاهدة للنفس المتمردة لتقويم الاعوجاج الذي قد يطرأ على سلامة فطرتها خاصة في زمن طغت فيه المادة والمصالح الضيقة ..

 

20)  هل تمثل المناجاة الشعرية وسيلة لتصحيح العلاقة مع الخالق أم مع النفس البشرية المتمردة؟

 لكل إضافة في حياة البشرية وجهان متناقضان، ولهذه التكنولوجيا الحديثة والتي اكتست كل الميادين بما فيها الأدب أيضًا سلبياتها وإيجابياتها نظرًا لانتشارها وسلطتها، التي قد تعلي من شأن وتحط من آخر، دون الرجوع للموازين والضوابط التي من شأنها فصل الغث عن السمين ..

مقاييس اختلطت ومعايير طالتها الفوضى واعتبارات ما أنزل الله بها من سلطان مثل المجاملات وعلاقات شخصية تنحدر بالحرف لمستوى من الابتذال الذي يجعلك أحيانا تفضل الانسحاب ..مع ذلك توجد منصات رقمية جادة ومجدة نهوضا بالحرف العربي النبيل وإيمانا بأهمية الأدب كرسالة وتواصل مفيد هادف ومُجدٍ

 

23)  هل تعتقدين أن الجوائز الأدبية الحالية تُنصف النص الحر الجريء، أم أنها تُفصل خصيصاً لمقاسات أيديولوجية أو تنظيمية معينة؟

الجوائز الأدبية ،وما أدراك ما الجوائز الأدبية تلك التي أسميها علب الحلوى الفارغة وألقاب تثير الضحك وتستفز الغضب ..و لا يعني ذلك بأنني لا أؤمن بقدرات ومواهب بعض الأدباء الذين قد يفوقون بفكرهم وطرحهم وتناولهم على من تحصل على شهادات أكاديمية لها اعتبارها لكنني أصبحت أراها مثل تجارة رائجة لدرجة الإمتهان ، أصبحت مع الأسف وسائل يُستدرج بها الاديب الذي يبحث عن التقدير في نهاية الأمر .وهذا من حقه لكن الساحة أصبحت مرتعا لكل من هب ودب وكل من حمل قلما حتى أن بعضهم يسمي نفسه الدكتور وهو لا يفرق بين التاء المربوطة والمفتوحة لا يُفعِّل الهمزة ولا يتقن أبجديات الكتابة البسيطة ..

مع ذلك يبقى التقييم الحقيقي هو سيد الموقف عندما ترجح كفة الأدب المقنع فتبرز مع الوقت أسماء دون غيرها مقابل أسماء تضمحل تدريجيا لأن المجاملات الباطلة لا سلطة لها في صنع الكاتب ولا قدرة لها على ترشيح هذا من ذاك ..

 

24)    النقد المعاصر غارق غالباً في الانطباعية أو المجاملة؛ أين تجدين نفسكِ وسط خريطة نقدية تبدو أحياناً عاجزة عن سبر أغوار النص الحقيقي؟

 كان النقد الأدبي في ما مضى يعالج العيوب ويقف عند نقاط ضعف النص في إعادة بناء لبنات إنتاج اقوى وأمتن من حيث المعنى والمبنى كما يبرز حسناته ونقاط القوة فيه إحاطة وإلماما ..

النقد المعاصر اليوم لا تراه عادة إلا مادحًا وممجدا إما مجاملة أو أخذًا عن الإنطباع الشخصي للناقد في خدمة ذوق معين ولون بعينه ..ومع ذلك لا يخلو المشهد من تحليلات أدبية قادرة على سبر أغوار النص بمشرط يتناول أجزاءه ومراحل بنائه وقراءة نفسية الكاتب تحليلًا عميقا ملما بجوانب الحرف والمعنى مقنع بل ومبهر أحيانا .

 

25) بعد كل هذه المسيرة في هجرة الحرف ومحطات الوجع، ما هو السؤال النقدي الذي تمنيتِ أن يطرحه عليكِ ناقد جاد ولم يفعله بعد؟

ظللت لعمر أكتب في الظل تعبيرًا عن كل ما يخالج أعماقي من انفعالات وتساؤلات ..عشت حيرة الكاتب وعزلة الكاتب وثورته دون أن أعي بأنها مراحل وعي ونضج وبعث للحرف ..قلمي العصامي ظل ينقاد لفطرة تعبر به عدة مراحل ..

لما قررت مشاركة حرفي المتواضع على المنصات الرقمية ودخلت به العالم الافتراضي ،وجدتني أخوض تجربة جديدة تعلمت فيها كيف أدافع عن كياني ككاتب لا يبحث عن التصفيق، لكن يهمه التقدير المستحق من خلال كلمة حق كنت في البداية ممن يحتفي بعلب الحلوى الفارغة ينشرها ،ويسعى لتحصيل المزيد قبل أن يكتشف بأنها في متناول الغث والسمين معًا ،وأنها لا تصنع الأديب  فابتذلتها ..في الختام وإجابة عن سؤالكم الأخير، أقول بأن السؤال الذي لم يطرحه علي ناقد جاد من قبل، وأخشاه هو لماذا لم تنشري شيئا ورقيا لحد الآن خاصة بأن لدي مسودة رواية كتبتها منذ عدة سنوات، ينقصها الفصل الأخير وعدد من القصص القصيرة والكثير من الأشعار ..

كان حلمي الأول تأليف كتاب بعنوان نداء الروح ؛فأنشأت صفحة خاصة أدوّن فيها محتواه وهي تأملات قرآنية ونصوص وخواطر وأشعار بتناول ديني شاركتها بعد ذلك  على صفحات دينية المحتوى ثم صفحات أدبية .

في النهاية أجدد لكم شكري على هذه الاستضافة استمتعت بالإجابة عن أسئلتكم وأتمنى أن تكون في مستوى انتضاراتكم . كل التوفيق