صائب خليل

 

عرض صفحة الكاتب

حكاية عقود التراخيص– 3 جولات التراخيص كما حدثت

صائب خليل

  

في الحلقتين، الأولى(*) والثانية(**) تحدثنا عن "المؤامرة على النفط" و مقارنة عقود “مشاركة الإنتاج” وعقود “الخدمة” وفي هذه الحلقة الثالثة، نكمل بالحديث عن احداث ضرورية رافقت توقيع عقود التراخيص.

 

في جولة التراخيص الأولى، قامت وزارة النفط بدراسة الشركات، وقامت بترشيح (35) شركة مؤهلة لتقديم العروض لجولة التراخيص الأولى، فقدمت (22) منها عروضاً. وحين فتحت العروض في مناقصة عامة مفتوحة وشفافة لم تربح أية شركة أي عرض من العروض! لأنها جميعها قدمت أرقاماً للحوافز تتجاوز الرقم المحدد من الوزارة، إلا ائتلاف بريتيش بتروليوم وبتروجاينا الصينية الذي وافق لاحقاً، ورفض الشهرستاني الضغوط لزيادة مبلغ الحوافز، ثم عادت الشركات ووافقت على الرقم المقدم من الوزارة.

وسارت بقية الجولات بطريقها بشكل أو بآخر وانتهت آخرها (الرابعة) عام 2012. وبينما خصصت دورتي التراخيص الأولى والثانية لحقول نفطية عملاقة جداً وأخرى أصغر في وسط وجنوب العراق، كما خصصت الدورة الثالثة لتوقيع العقود الغازية. وقد اعتمدت جميع الدورات ما يسمى بـ "عقود الخدمة الفنية Technical Services Contracts TSC"، مقارنة بعقود المشاركة بالإنتاج التي كانت الشركات تطمح لها. وخصصت دورة التراخيص الرابعة لرقع استكشافية (وليست حقول مكتشفة ومثبتة)، ذات احتمالات كربوهيدراتية عالية، ومعظمها في الصحراء الغربية.

 

وقال وزير النفط في وقته، د. حسين الشهرستاني في أواخر 2007 متحدثاً عن عقود الجولة الأولى: "إن الوزارة تتبنى حالياً الاتفاق على عقود خدمية بصدد إبرامها مع شركات عالمية رصينة لتطوير الحقول النفطية بحيث تخضع إلى السيطرة الوطنية، وأن البرنامج والخطط الموضوعة في هذا الجانب من شأنها زيادة الإنتاج اليومي بواقع (500) ألف برميل كل ستة أشهر، وصولاً إلى مستوى إنتاج (4) ملايين برميل يومياً، صعوداً إلى ما يناسب احتياطي العراق من النفط بحيث يبلغ الإنتاج اليومي (6) ملايين برميل يومياً".

 

بدا على الجولة الأولى انها عبرت بالعراق مرحلة الخطر، واصبح بإمكانه أن يحصل على الدخل اللازم لمصروفاته وتطوير نفسه. وكان يمكن، ويجب، على العراق الاكتفاء بتلك الجولة من العقود، والاحتفاظ ببقية الحقول للتطوير الذاتي، أو إلى ان يتمكن العراق من ترتيب اموره بلا عجل، فما تقدمه الجولة الأولى أكثر من كاف لتمويل الموازنة، وليس هناك أي مبرر للعجلة في توقيع المزيد.

 

ويؤكد الأمير " أؤكد وعن قناعة تامة بأن جميع الإحالات كانت نظيفة ونزيهة ومن خلال منافسات مكشوفة واضحة، ولم يثر أحد كما لم أقرأ أو أسمع من أحد شكوكاً في نزاهتها. وهذا الأمر يبدو "غريباً" في جو العراق المتخم بالفساد!!، خصوصاً ونحن نتحدث عن حقول نفطية عملاقة، ومبالغ هائلة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات في الاستثمارات، وترليونات الدولارات للقيمة الفعلية للنفط والغاز."

 

 

لكن الدورة الثانية من العقود فاجأت الجميع باستهداف العراق لـ "انتاج" رقم غريب يتجاوز (12) مليون برميل/اليوم! وتعني هذه الزيادة ضمن ما تعنيه انخفاض كبير في عمر النفط العراقي.

ومن ناحية أخرى، فأنها تعني ضرورة اقتراض العراق أكثر من (150) مليار دولار، وبفوائد تزيد 5% على الفائدة المصرفية (نظام فوائد لايبر)، اي ما يزيد عن عشرة أضعاف الفائدة المصرفية في ذلك الوقت. نصف هذه المبالغ مخصص للمشاريع الخاصة برفع “الانتاج” إلى الحدود القصوى الجديدة التي يرى الخبير فؤاد الأمير " أن لا فائدة (..منها)، بل بالعكس كلها ضرر". وأنها "ستكون كارثة على العراق سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية." وهو ما يذكر بكتاب جون بيركنز الشهير: "اعترافات قاتل اقتصادي Confessions of Economic Hit Man" (1) والذي يشرح فيه اساليب السيطرة على الدول من خلال إغراقها بالديون في أمور لا تحتاج إليها.

(ملاحظة: لدي تحفظ شديد على تسمية استخراج النفط وبيعه، “انتاجاً”. فلو صح ذلك لكان يمكن لنا ان نسمي بيع ما نملكه من الجبن في الثلاجة، انتاجاً للجبن، لكن المشكلة ان الاسم مستخدم وشائع تماما، لذلك استعمله هنا واضعه بين اقواس اقتباس- صائب خليل).

 

بقيت عقود التراخيص سرية ولم يعرف محتواها بالكامل لفترة من الزمن. ومما زاد القلق من هذا التصرف هو ان الشركات التي تم التعامل معها كانت معروفة بقلة الشفافية في تعاملها. وقد تكون تلك السرية من شروط او طلبات تلك الشركات نفسها. لكن ما تم كشفه يبين أن في نصوص العقود مواداً تحدد طريقة تعامل الحكومة العراقية مع الشركات ومرجعية تحكيمها، وهو ما جعل صحيفة الغارديان البريطانية تنشر تقريراً قالت فيه أن شركة النفط البريطانية بريتيش بتروليوم BP قد أحكمت قبضتها على الاقتصاد العراقي عقب موافقة الحكومة العراقية على دفع تعويضات للشركة حتى في حال توقف إنتاج النفط في حقل الرميلة العراقي، وأن تعديلات جرت على العقود تجعلها تؤثر في القرارات السياسية التي تتخذها الحكومة العراقية فيما يتعلق بمنظمة أوبك.

 

وحوت العقود الجديدة، على نصوص (الفقرة 12) تلزم العراق باستمرار استخراج أقصى طاقة ممكنة من حقوله، وأنه إن أراد خفضها، أو فشل في توفير مستلزماتها، فعليه تعويض الفرق في أسرع وقت ممكن بزيادة لاحقة في استخراج النفط عن المقرر، وإلا فهو ملزم بدفع تعويضات عن كل ما "تخسره" الشركات من جراء ذلك النقص.

وقد تم بالفعل إعادة التفاوض مع الشركات لاحقاً، وخفض الحد الأعلى إلى 9 ملايين برميل في اليوم، وهو رقم كبير أيضاً، مقابل تنازلات عراقية تتمثل في زيادة طول مدة العقود وتنازل العراق عن بعض حصته في الشركات التي تنفذ عقود الخدمة (وليس النفط، فهو بأكمله ملك العراق).

 

نقطة الخلل الثانية في تلك العقود هي طول مدتها، والتي زادت بسبب محاولة العراق التراجع في قضية الحد الاقصى اعلاه. والفترة الطويلة للعقود تقلل من افضلية عقود الخدمة ومرونتها في قدرتها على استبدال من يقدم لها الخدمات بآخر أفضل أو أقل كلفة منه.

كذلك يشار الى ان تكاليف حفر بعض الآبار كان مبالغاً بها، أحيانا إلى أربع مرات بقدر أسعار الحفر لنفس العمق في دول الخليج. وقد تكون تفاصيل الحفر موجبة لذلك، من حيث طبيعة الأرض، لكنها تبقى نقطة تستحق التحقيق.

 

وعن موقف كردستان، نجد أنه في كل مراحل المؤامرة على نفط العراق، كانت حكومة الإقليم لا تكتفي ببذل كل جهدها لمساعدة الشركات لفرض "عقود مشاركة الإنتاج" على العراق، اسوة بما وقعته حكومة الإقليم، ومحاولة تقديم نسخ سيئة لـ "قانون النفط" يتيح او يجبر بغداد على قبول تلك العقود، وإنما كانت تعمل صراحة على إضعاف القرار المركزي قدر الإمكان، وتعتبره تهديداً لها. إضافة لذلك فقد كان موقف حكومة الإقليم من تقديم عروض باذخة وفاسدة للشركات إغراء لها في ترك تعاقدات بغداد، حيث ان بغداد كانت تشترط على الشركات المتعاملة معها الا توقع عقوداً غير شرعية مع كردستان، وإن لم تطبق ذلك بشكل حقيقي.

 

(*) صائب خليل - حكاية عقود التراخيص في حلقات – 1 الحكاية والمؤامرة على النفط

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2315219915201731

 

(**) صائب خليل حكاية عقود التراخيص – 2 عقود “مشاركة الإنتاج” وعقود “الخدمة”

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2317057748351281?__tn__=K-R

 

(1) John Perkins - Confessions of an Economic Hit Man - Part I

http://www.youtube.com/watch?v=yTbdnNgqfs8