الموقع الفرعي للكاتب

"جامعة الموصل" .. الأولى عالمياً

محمد عارف

مستشار في العلوم والتكنولوجيا

 

«الحسابُ لا يحسِبُ» حسب عالم الفيزياء «أنشتاين». ولو أن النقاط التي حققتها «جامعة الموصل» احتُسبَت لنالت الأولوية في تصنيف الجامعات العالمية، فهي تواصلُ منذ احتلال «داعش» الموصل عام 2014 التعليم في «دهوك»، على مسافة 75 كيلومتراً شمال الموصل، ومختبراتها في «جامعة كركوك»، التي تبعُدُ 150 كيلومتراً، ودروس طلبة الطب في «مستشفى زاخو التعليمي» المحاذي للحدود التركية، و«جامعة الموصل قد تنير الطريق إلى إعادة الإعمار»، حسب «توماس هيل» و«كاترينا سيرا»، وكلاهما من «جامعة نيويورك» في الولايات المتحدة. ويحذر الأكاديميان الأميركيان من «أخطر فكرة سائدة لدى المسؤولين في الولايات المتحدة، والقوى الإقليمية، والعراقيين خارج الموصل، وهي أن مستقبل المدينة يُقَرَّرُ خارجها».

ويؤكد الباحثان اللذان قضّيا فترة في «جامعة دهوك»، على «وجود قوة قادرة متموضعة بشكل استثنائي لقيادة إعادة البناء السياسية والاجتماعية والاقتصادية للموصل، وهي قوة (المصالوة)، كما يُسمى أهل الموصل، فكثير منهم شُّرِّدوا لكنهم لم يتخلوا عن مدينتهم». ومع أن تنظيم «داعش» استولى على الحرم الجامعي فإن لُبّ إدارة الجامعة، بما في ذلك رئيس الجامعة «أُبَي الديوجي»، ونائبه للشؤون العلمية «نزار قبع»، انتقلوا إلى مدينة «دهوك»، وهناك قادوا جامعة في المنفى تضم خمسة آلاف طالب في العلوم الإنسانية، إضافة إلى عشرة آلاف طالب في الطب والعلوم. وبعض الطلاب والأساتذة يقومون برحلات أسبوعية تستغرق ست ساعات ما بين «دهوك» و«كركوك»، يعانون خلالها نقاط التفتيش المزدحمة، واستجوابات قوات الأمن الكردية.

ومقر رئيس الجامعة «الديوجي» غرفة في الطابق الثاني من بناية فندق، ومع أنه يدرك أن الموصل لا يمكن أن تُستعاد من «داعش» دون دعم دولي، فإنه عاش تجربة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ورأى «كيف يمكن أن تسوء جميع الأمور عندما يضع عسكريون وخبراء أجانب خطط إعادة البناء لمكان لا يفهمونه بتاتاً». ويعتبرُ «الديوَجي» نفسه محظوظاً لفشل محاولة اغتياله بطلق ناري في رقبته عام 2011، بالمقارنة مع أكثر من 500 أكاديمي عراقي اغتيلوا بعد الغزو، إلا أن تضحياته وتضحيات زملائه للحفاظ على الجامعة لم تلقَ الاعتبار من الحكومة ووزارة التعليم العالي في بغداد، والتي تفرقُ في التعامل بين «جامعة الموصل» و«جامعة بغداد» والجامعات الأخرى، وتُخصِصُ لهم ميزانيات شحيحة، ويحاولون الإيحاء بأنهم رحَّبوا بـ«داعش»، مع أنهم تركوا منازلهم، وأموالهم، ومصوغات عوائلهم، وغادروا الموصل دون أي شيء، متصورين أنهم عائدين إليها بعد ثلاثة أيام.

وتعزز تجربة «جامعة الموصل» قاعدة «الميدان غير المتساوي» في التصنيف العالمي للجامعات، التي يذكرها دليل «تصنيف جامعات دول البريك والاقتصادات الصاعدة لعام 2017»، والتي تأخذ بالاعتبار الخلفية المعقدة والإشكالية للجامعات في التصنيف العالمي. ومن يُضاهي «جامعة الموصل» في إشكالية خلفيتها وتعقيدها. فللمرة الثانية، منذ غزو العراق عام 2003، تعيد الجامعة بناء نفسها بنفسها. وكنتُ الشاهد على ذلك في المؤتمر الدولي للجامعات العراقية في لندن في فبراير 2004. وكتبتُ هنا كيف سأل الأكاديميون البريطانيون رؤساء سبع جامعات عراقية عمّا يحتاجونه لإعادة بناء جامعاتهم، فقالوا: «نحتاج كل شيء».

وفي ذلك اليوم أدركتُ أن وطنية وعقلانية «المصالوة» غَرْسُ موقعهم على التخوم القصوى للعراق والأمة العربية. فعندما تَكَلَم بلغة إنجليزية رفيعة «نزار قبع»، عميد «كلية الطب»، والقائم بأعمال رئيس «جامعة الموصل» آنذاك، قال إنهم لا يحتاجون أيّ شيء. «أَعَدنا بناء جامعتنا بعد شهرين من توقف العمليات الحربية، وكل ما نريده منكم استئناف اتفاقات التعاون وتبادل الزيارات مع الجامعات البريطانية المتوقفة منذ زيارة 25 أستاذاً في الطب والهندسة والكومبيوتر إلى بريطانيا عام 1989، وقد تحمّلت نفقاتها جامعة الموصل».