كـتـاب ألموقع

البروكرستية العربية المعاصرة// د. صالح الطائي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. صالح الطائي

 

عرض صفحة الكاتب 

البروكرستية العربية المعاصرة

الدكتور صالح الطائي

 

إن الانحياز تعصبٌ وتزمت وعنصرية بغيضة وأحكام مسبقة تتبنى مساندة رأي أو وجهة نظر أو عقيدة إيديولوجية سياسية كانت أم دينية أم اجتماعية، تجاه عرق، أو دين، أو طبقة اجتماعية، أو حزب سياسي. وهو محاولة لفرض القوالب الجاهزة والرؤى من خلال تشويه المعطيات وتلفيق البيانات لتنسجم قسرا مع مخططٍ ذهني مسبق الوجود وغير قابل للنقاش. وهذا تلخيص لميثولوجيا البروكرستية (Procrastination) وسريرها الدموي؛ التي تعني: القولبة الجبرية المتعسفة التي تحاول الإفلات من غضبة المنطق وانتقام الحقيقة عن طريق ليِّ عنق الحقائق، وتشويه وجه المعطيات، وتلفيق البيانات الكاذبة لكسب أي نزال أو مواجهة مع الآخر. بالمناسبة البروكرستية مأخوذة من الفعل to procrastinate، أي "يُماطل" أو "يؤجل" أداء المهام أو الواجبات عن قصد، وغالبا ما يكون هذا التأجيل دون سبب وجيه. ويدعي علماء الانثروبولوجيا أن البروكرستية أسطورة يونانية بطلها حداد وقاطع طريق كان يدعو الناس للمبيت عنده في بيته؛ وحالما يدخلون كان يضعهم على سرير حديدي، فمن زاد طوله عن السرير، بتر الزائد منه، ومن قصر، كان يمد أطرافه عنوة ليناسب السرير إلى أن يمزقه؛ ولا ينجو منه إلا من يناسب مقاسه مقاس سرير، ومنها اقتبسوا مصطلحهم. لكنها في الحقيقة واقعٌ مارسه الإنسان عبر تاريخه ولا زال يمارسه بشغف أسطوري، حاول من خلاله حشر الآخر ضمن أطر صورة صنعها له في خياله المرتبك المهزوز، متجاهلا أن للناس مقاسات ورؤى واعتقادات وعادات وسنن مختلفة، وليس من العدالة، ولا من حق أحد أن يحشرهم في أطر وهمية يصنعها لهم ويجيز لنفسه لومهم وتعنيفهم إذا خالفوها أو خرجوا عنها. وفي تلك الميثولوجيا تمكن ثيوسوس من اخضاع بروكرست لنفس المصير الذي واجهه ضحاياه، فقطع رأسه لكي يتناسب طوله مع طول السرير، فأنقذ البشرية من بروكرست وسريره الدموي. لكن يا ترى كم ثيوسيوس نحتاج اليوم لكي نتخلص من البروكرستية الراسخة في اعتقاداتنا، تلك التحيزية التي تمزق واقعنا، وتنتهك خصوصياتنا، وتصادر حقوقنا مرة باسم الدين وأخرى باسم الإنسانية وثالثة باسم المذهب ورابعة باسم القومية وخامسة باسم المناطقية؟ وإلى متى نبقى نتعامل بمنطق البروكرستية مع الآخر، ونعمل على مصادرة رأيه وحقه، وفرض رؤانا ونوازعنا الشريرة عليه، فهل من ثيسيوس ينقذنا لكي نبرأ من تحيزنا وننتهج العقلانية، لنلحق بمن تقدم وذهب بعيدا عنا وتركنا خلفه في مستنقع الجهل والتعصب؟

 

إن مأساتنا نحن الشرق أوسطيين أننا نصنع البروكرست الخاص بنا بمحض إرادتنا، ودائما يكون هناك في عقل هذا البروكرست الذي صنعته أصابعنا الملونة باسم الديمقراطية نسخة طبق الأصل من سرير بروكرست الحديدي، يسعى من خلاله إلى مطابقة أحلام الآخرين وأفكارهم ورؤاهم وبرامج حياتهم وأنماط تفكيرهم ومتعارفات عيشهم مع أحلامه وأفكاره وبرامجه المتحيزة المريضة. من هنا وبسبب هذا الغباء المؤدلج والمقدس لم تقتصر بروكرستية العالم العربي على الجانب السياسي فقط، بل تعدتها لتشمل كافة مناحي الحياة، وليذهب ضحية طيشها ونزقها ودكتاتوريتها الملايين من الأبرياء بين ممطوط ومبتور.

 

إن النسبية كانت ولا زالت وستبقى من أكبر دلالات انفتاح العقل البشري على زوايا تختلف من شخص لآخر، ومن مجتمع لآخر، وما يصح في مجتمع ما وفي عقيدة شخص ما، ليس بالضرورة أن يكون صحيحا عند غيرهما، وكم أعجبني قول مكسيم غوركي: "الورقة التي لم تسقط في فصل الخريف، خائنة في عيون أخواتها، وفية في عيون الشجرة، ومتمردة في عيون الفصول، فالكل يرى الموقف من زاويته". وقد أثمرت النسبية رؤى فيها الكثير من الدهشة، فحينما سطع نجم الاشتراكية، ازدادت رغبة الناس باتباع منهجها، لكن هناك من وجد بها عيوبا لا تغتفر رغم اعجابه بمحتواها، وهو ما دفع كارل بوبر ليقول: "لو أن هناك شيئًا من قبيل الاشتراكية المقترنة بالحرية الفردية لوددت أن أكون اشتراكيا، فليس أجمل من أن يعيش المرء حياة متواضعة بسيطة في مجتمع مساواة، غير أني أنفقت زمنا قبل أن أدرك أن هذا لا يعدو أن يكون حلما جميلا، وأن الحرية أهم من المساواة، وأن محاولة تحقيق المساواة من شأنها أن تهدد الحرية، وأن الحرية إذا فُقدت فلن يتمتع فاقدوها حتى بالمساواة".

 

وهذا ترجمة لحقيقة التنوع بين البشر، لا من حيث الشكل والخلقة واللون فحسب، بل ومن حيث الأفكار والاعتقادات والرؤى أيضا، فلا الخبرات بينهم متشابهة، ولا تحليل المواقف عندهم متشابه، ووجهة نظرك مهما كان اعتقادك بها، ومهما كانت صائبة وصحيحة، بل حتى لو كانت مقدسة، ليس بالضرورة أن تتطابق مع وجهات نظر غيرك.

 

وآخر ما أريد قوله: رغم المسؤولية الدينية التي يعتقد بعضهم أننا ملزمون بها، أقصد أمر التبليغ والدعوة إلى الله، إلا أني بعد ان خضت عشرات التجارب القاسية نتيجة التحيز الديني بت على قناعة تامة بحكمة تقول: لا يهمني قط إن آمنتَ بحجر أو عبدته، فهذا شأنك وحدك، ولكن لا ترمني به، فهذا ما يهمني.