د. ادم عربي
هل يُعقل أن يكون مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين"
مجرد غطاء قانوني لـ "السرقة"؟
د. ادم عربي
في ظاهر هذا المبدأ يكمن جوهر الحرية، التي تُقدَّم بوصفها أسمى المبادئ في الفكر الرأسمالي. لكن كما هو الحال مع غيره من المبادئ الرفيعة التي تتفاخر بها الرأسمالية، سرعان ما يتعرض هذا المبدأ في الواقع للتشويه والانقلاب على معناه. فليست الحرية، في الممارسة، سوى طريق يقود في كثير من الأحيان إلى العبودية نفسها، أو على الأقل إلى أحد تجلياتها المعاصرة.
مررتُ بتجربة شخصية تجلّت فيها حقيقة شعار "العقد شريعة المتعاقدين". فقبل ساعات قليلة من موعد سفري خارج وطني عبر مكتب سياحي، وقعت حالة وفاة حالت دون قدرتي على السفر، لأسباب إنسانية بحتة. وعندما تواصلت مع المكتب السياحي وأبلغتهم بالظرف الطارئ، جاءني الرد قاطعاً مانعاً: لا يحق لي استرداد أي جزء من المبلغ المدفوع، لأنني وقّعت على عقد أقرّ فيه، بإرادتي الكاملة، بالتنازل عن هذا الحق. وهكذا، رُفِض طلبي استناداً إلى تلك القاعدة القانونية الصنم: "العقد شريعة المتعاقدين".
نوقّع الكثير من العقود من هذا النوع، غالباً من دون أنْ نقرأ بنودها أو نتوقف عند تفاصيلها، لأننا نكون منشغلين فقط بتلبية حاجتنا الآنية. نوقّع ونحن ندرك تماماً أنَّ الطرف الآخر وهو الأقوى غالباً يمتلك أداة تتفوق علينا و ضدنا، تتمثل في مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين"، مستغلاً بذلك ضعف فهمنا القانوني لهذا المبدأ، أو عدم قدرتنا على مجادلته قانونياً.
اقرأوا هذه العقود جيداً، وتعمقوا في فهم معانيها ومقاصدها، فلن تجدوا فيها سوى ما يخدم مصلحة صاحب اليد العليا في العقد. فحين تضع توقيعك، تكون في الحقيقة قد وافقت، طواعية، على التنازل عن حقوقك أو عمّا تعتبره حقاً لك، مانحاً الطرف الآخر المزيد من القوة القانونية ليستخدمها ضدك إنْ لزم الأمر. تبدو هذه العلاقة القانونية، المسماة عقداً، وكأنَّ جوهرها هو الابتزاز أو شيء قريب منه، لا التوازن والعدالة بين طرفين.
حاول أنْ تُجادله الآن في محتوى العقد، على أساس أنه من وجهة نظرك وثيقة إذعان قانونية تُجبرك على التخلي عن حقوقك أو تُجردك منها. قد يُبدي تفهّمه، بلْ وربما يقرّ بصحة ما تقول. لكنّه سرعان ما سيعود ليحسم النقاش بجملة واحدة: لقد وقّعت بكامل إرادتك، دون ضغط أو إكراه من أحد. ستبقى هذه حجته الحاسمة، التي يتمسك بها ليحمّلك وحدك مسؤولية توقيعك، وما يترتب عليه من نتائج، حتى لو كان العقد جائراً في مضمونه.
في علاقة العامل بـربّ العمل تتجلّى تلك الحرية التي كثيراً ما يُشاد بها، وهنا نلامس جوهر ما يسمّى بالاقتصاد الحر. فالعامل زيد لم يُجبره أحد على بيع قوّته البدنية أو الذهنية، وربّ العمل عمرو لم يُكره زيد على العمل لديه. كل شيء ظاهرياً تم برضى الطرفين. إذاً، كيف يمكنكم الادّعاء بأنَّ هذه العلاقة، القائمة على التراضي، تنطوي في جوهرها على شكل من العبودية؟ وبأي حق يُعاد تأويل الحرية في هذا السياق على أنها قيد خفي؟
يا لها من حرية زائفة، خادعة، ومخادَعة!
صحيح أنَّ العامل زيد لم يُجبر على بيع قوة عمله مباشرة لربّ العمل عمرو، لكنه في الواقع مجبر بشكل غير مباشر على بيعها لطبقة عمرو، التي تملك وحدها وسائل العيش والعمل. وهكذا، وباسم الحرية، نقوم نحن من هم على شاكلة زيد بممارسة وهمية لحرية الاختيار، بينما تدفعنا الحاجة والإكراه للقبول بشروط غير عادلة.
فنوقّع العقود دون أنْ نقرأها، لأننا ببساطة لا نملك ترف الاعتراض، ثم نتنازل عن حقوقنا القليلة المتبقية، فنُضيف بذلك مصدراً إضافياً لأرباح سادة العقود.
هذا النوع من التنازل المستمر، الذي يبدو فردياً، يشكّل رافداً دائماً لثروات أرباب العمل. والمفارقة أنَّ هذه الأرباح التي تُبنى على استغلال الضرورة، تُقدَّم دائماَ على أنها نتيجة مشروعة لذكاء الاستثمار أو لمعجزة نمو المال من تلقاء ذاته كما يروّج كهّان الاقتصاد الحر!
أما الربح الحقيقي، الطبيعي، بحسب المنطق الرأسمالي، فهو ما يتحقق من الجزء المجاني من عمل العامل، أي من تلك الساعات التي لا تُدفع قيمتها كاملة، لكنها تملأ جيوب أصحاب العمل… دون أنْ يشعر أحد أنَّ هناك فساداً.
تركتُ جانباً العقد ومبدأ "العقد شريعة المتعاقدين"، واتجهت إلى الدستور باعتباره المرجعية العليا، أو ما يُطلق عليه أُمّ القوانين أو لعلّه أبُوها، كما عدتُ إلى الاتفاقيات الدولية التي وقعناها والمتعلقة بـحقوق الإنسان. هناك فقط، أدركت حجم الهوّة الهائلة التي تفصل بين تلك المواثيق والشرائع، وبين ما يُمارَس باسم العقد وحريّة التعاقد.
لقد أصابتني الدهشة؛ فنحن لا نفتقر إلى القوانين التي تحمينا، ولا إلى المعرفة بها، بلْ إنّ كثيرين منّا يحفظون نصوصها عن ظهر قلب. لكنّ المشكلة ليست في الجهل بالحقوق، بلْ في عجزنا العملي عن التمسك بها. فالواقع يدفعنا، بلْ يُرغمنا، على التنازل عن هذه الحقوق بكامل إرادتنا وبيعها بأبخس الأثمان، فقط لنعيش.
فما قيمة حقوق يضمنها الدستور والقانون، إذا كانت ظروف الحياة القاسية تمنعنا من ممارستها، أو الدفاع عنها، أو حمايتها من أولئك الذين لا تقوم حياتهم وسلطتهم وثرواتهم إلّا على اغتصاب هذه الحقوق وانتهاكها؟!
رحم الله هيجل، فقد كشف ببصيرته الفلسفية عن حقيقة المساواة القانونية، حين أشار إلى أنَّ القانون يُقارب بين أطراف يختلفون اختلافاً جوهرياً في الواقع. فالقانون يعامل العامل وربّ العمل على قدم المساواة، رغم أنَّ كلاً منهما يشغل موقعاً مختلفاً كلياً في البنية الاقتصادية.
وهكذا تصبح المساواة أمام القانون مبدأً شكلياً، يُخفي تحته انعدام التوازن الفعلي بين الأطراف. والنتيجة الحتمية لهذا التناقض هي أنْ تتحوّل هذه المساواة إلى مجرد ظلّ بلا جسد؛ تبدو قائمة من حيث الشكل، لكنها تفتقر إلى المضمون الحقيقي.
عبارة "العقد شريعة المتعاقدين" أصبحت في واقعنا اليوم مصدراً لا ينضب للفساد والظلم. وأجد نفسي أرفع الدعاء إلى الله ، حيث لا أملك غيره ، أنْ يُظهر للدولة الحق ، ويمنحها القدرة على اتباعه. أتمنى أنْ تتحرر من قبضة هذا الصنم الذي يُطلق عليه مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين"، وتخرج من قوقعتها القديمة لتقف، ولو قليلاً، بجانب ضحايا هذا المبدأ الظالم، وهم كثيرون بلا شك. عليهم أنْ ينالوا حقوقهم التي اضطروا للتنازل عنها في سبيل تحقيق مصالح معينة. فهناك فرق كبير بين أنْ تكون الملكية الخاصة "سرقة"، وبين أنْ تكون "أداة" في يد الآخرين لممارسة السرقة أو أداة سرقة!