صافي خصاونة
الثورات تأكل أبناءها
صافي خصاونة
يكاد يكون تاريخ الدول السياسي سلسلة مِن الثورات والثورات المضادة وما بينهما مِن حروب وتقاتل فمن كان قبل ساعات يوصف بالثَّوري المخلص أخذ يُقدم على انه المتآمر العميل …
هذه طبيعة الثَّورات لا ترحم رجالها ولا تحسب لهم الأعمار التي فُنيت في سبيل انتصارها
فالثَّورات لا توفر أجواء مستقرة حيث بعد أيام تتحول إلى فتن ونزاعات بين قوى الثَّورة نفسها سرعان ما يأخذ النَّاس بالنَّدم على تأييدها وأفظع ما في الثورات هي المحاكم الثورية البعيدة عن تقاليد العدالة والمساواة
فإذا كان لابد مِن ثورة فهي ثورة الإصلاح والتَّنوير التي تخلق ثورة في داخل النظام نفسه بلا هزات عاصفة لكن ذلك لا ينطبق على الأنظمة المتزمتة التي لا تبذل جهداً للتغيير ….
فى علم دراسة الثورات يجرى التمييز بين أكثر من مرحلة تمر بها الثورة ففى مرحلة أولى يكون الخطاب عاماً توافقياً لجمع أكبر عدد من المؤيدين والأنصار وعادة ما يجرى الدفع بوجه أو وجوه مقبولة من الرأى العام لتصدُّر المشهد ويحدث ذلك عندما يقف تيار معين وراء الثورة ولا يرغب فى أن يُعرف ذلك أو يبدو أنه الطرف الأقوى فى المعادلة ….
وبعد أن يتحقق الاطمئنان لسلامة التوجه العام تبدأ مرحلة ثانية تُعرف فى علم الثورات بمرحلة «الثورة تأكل أبناءها» وهو تعبير يُستخدم للدلالة على بدء مرحلة إزاحة الفريق الذى كان موجوداً فى المشهد أو تم الدفع به إلى صدارة المشهد كى يتولى الأمر الفريق أو الجماعة الأقوى أو التى تمتلك قوة حقيقية …
ويكشف تاريخ الثورات فى العالم أن هذه المرحلة عادة ما تكون مرحلة دموية بمعنى أنها تشهد تصفيات جسدية ..
وفى مرحلة تالية وبعد أن يستتب الأمر للنظام الجديد تبدأ مرحلة ثانية لإزاحة من فى السلطة حتى يحكم التيار الأقوى مباشرة ودون شراكة أو وساطة فلم يعد التيار الأقوى فى حاجة للحكم من وراء ستار بل بات فى مقدوره الحكم مباشرة وإقامة النظام الذى يريد بعد ان شهدت هذه المرحلة تصفيات جسدية لمن تولى قيادة المرحلة …
ولم تخرج ثورة فى العالم عن هذه القاعدة فمن يتصدر المشهد فى اليوم الأول للثورة عادة لا يستمر طويلاً ويكون دوره مؤقتاً ووفق حسابات معقدة …
والفارق بين ثورة وأخرى ليس فى مراحل الثورة ولكن فى طريقة التعاطى مع رفقاء الصف الأول أو المشهد الأول ما بين إزاحة هادئة وتحديد إقامة إلى القتل اغتيالاً أو بالقانون فلا توجد شراكة فى الثورات بل توجد مصادر للقوة على الأرض وفى الشارع ومن يملكها تكون له الكلمة الأخيرة …
عدة مصادر (بتصرف)