جمال محمد تقي
الشرق الاوسط بين إحتكار السلاح النوعي ونزعه؟
جمال محمد تقي
الدولة الوحيدة التي تحتكر السلاح النووي في الشرق الاوسط "الصغير" هي اسرائيل وبالتالي هي معنية بإجهاض اي محاولة للدول الاخرى في المنطقة، لكسر هذا الاحتكار، أما احتكار التفوق بالاسلحة التقليدية، فهو الآخر محسوم ايضا، مادام موردها الاول، خاصة الاسلحة المتفوقة الذكاء، امريكا، شريكتها الاولى والضامنة لتفوقها، ولم يكن هذا النهج وليد الساعة، إنما كان متزامنا مع قيام اسرائيل ذاتها، لهذه الاعتبارات كانت المخابرات الاسرائيلية حريصة ومنذ وقت مبكر، على إغتيال اي فكرة للتسلح المتفوق، وهي في مهدها، ولو نظريا، وهكذا قررت ان إمتلاك العرب الناصية العلمية والتقنية للمفاعلات النووية خط احمر، وعليه كانت اغتيالات العلماء والمتخصصين في علوم الذرة من العرب والايرانيين، ومنذ سني الخمسينيات حتى وقتنا الحاضر، قائمة طويلة، ابرز ضحاياها، سميرة موسى، ويحيى المشد، ومحسن فخري زادة، وغيرهم بالعشرات، اما الإجهاز المباشر على مواقع المفاعلات ذات الخصائص المدنية فهو نهج لا تنكره أسرائيل بل تتبجح به، وهكذا تم تدمير مفاعل تموز في العراق عام 1981، وضربت مفاعلات ايران بمشاركة امريكية مباشرة في يونيو 2025، حتى وصل واقع الحال الى أن اي مشروع تسلح نوعي في المنطقة وبدون رخصة اسرائيلية مشروطة، سيكون معرضا للاستهداف الاسرائيلي، ناهيك عن اعاقته قبل التنفيذ، وفي بلد المنشأ!
لماذا تصر اسرائيل على طوق منزوع السلاح؟
تتصاعد موجة الحصر النوعي للسلاح في الشرق الاوسط، لتكريس التفوق الاسرائيلي والتسليم بمقتضياته، اسرائيل تتكامل لوجستيا واستراتيجيا مع القيادة الوسطى الامريكية "سنتكوم" منذ 2021 بعد ان كانت ضمن مجال النشاط العسكري الامريكي الخاص بقيادة اوروبا مما يعطي إسرائيل ميزة اضافية يجعلها بمثابة الشريك الاول والفاعل إقليميا ضمن النفوذ العسكري الامريكي المنتشر في الشرق الاوسط، وفي مجال السيطرة الرادارية والمعلوماتية يجعلها المتفوق الاول اقليميا، بالوكالة الامريكية التي تعتمد اسرائيل كركيزة تخادم لا مجرد شراكة حماية كما في حالة دول الخليج ومصر والاردن، وهي بذلك تجسيد للتطبيع العسكري برعاية امريكية وتفوق اسرائيلي، واهداف سنتكوم الواقعية هي التصدي لايران واذرعها، وقطع الطريق على النفوذ الصيني والروسي في المنطقة، مع معطيات مكافحة الارهاب وتسوية القضية الفلسطينية بما يضمن أمن اسرائيل!
اصرار اسرائيل على اقامة مناطق عازلة "منزوعة السلاح" تشمل كل بلدان الطوق العربي، من سيناء الى جنوب لبنان وسوريا وعلى طول الشريط الحدودي الاردني وبعمق يصل ضواحي عمان، مرورا بغزة والضفة الغربية، برغم تفوقها النوعي الشامل ورغم سيطرتها على فضاء واجواء المنطقة بفضل التخادم الامريكي، يشي بخشيتها الدفينة من ظهور فصائل مسلحة خارج نطاق الدول المطبعة معها تنتقم لشعوبها من التغول الاسرائيلي وسياسته التوسعية، لاسيما وان وجود السلاح حتى البدائي منه بيدها الضاربة يحوله الى سلاح نوعي يقارع التفوق العسكري بتفوق معنوي ورمزي يهدد الوجود الصهيوني ويجعله تحت التهديد الدائم، لذلك تسعى اسرائيل لتطهير احزمة الطوق من السلاح والبشر، ولا بأس من اقامة محميات للموالين لها في حالة استعصاء تطبيق سياسة التطهير العرقي!
هل هناك سباق تسلح حقيقي في المنطقة؟
لا سباق تسلح حقيقي بين الدول العربية واسرائيل، صحيح ان دول الخليج ومصر ما بين اكثر عشرة دول مستوردة للاسلحة عالميا مابين 2020 – 2024، واحتلت السعودية المرتبة الاولى عربيا والسابعة عالميا في انفاق 80 مليار دولار في الفترة بين 2018 - 2022 ، بحسب معهد ستوكهولم لابحاث السلام، وان بعض تلك الدول اخذ بتوطين بعض الصناعات العسكرية بالتعاون مع شركات تركية واوروبية، لكن بعضها يساهم باستثمارات في شركات امنية وعسكرية اسرائيلية، اسرائيل من جهتها رفعت انفاقها الدفاعي الى 120 مليار دولار على مدى عامي 2025 – 2026، اسرائيل تستحلب ودون تحفظ، ما يسد حاجتها امريكيا، ومن عائدات بيعها ما تنتجه من سلاح، وهي تركز على تفوق سلاح الطيران الذي يتكامل مع تفوق سلاح الطيران الامريكي، والذي لا يضاهيه ما يشتريه العرب لانه لا يباع لهم!
ربما السباق التسليحي الجاري هو لردع ايران وبعضه لحسم النزاعات البينية، كما يحصل في مد الامارات لقوات الدعم السريع بالاسلحة، او تغذية اطراف النزاع في ليبيا، اما التفكر الجدي بالتسابق مع اسرائيل فهذا امر ليس في وارد من طبع مع اسرائيل وسلم بهيمنتها وحماية راعيها!
الردع النووي سلاح ذو حدين
يوصف السلاح النووي، بأنه سوبر ردعي، ويشكل إمتلاكه اقصى درجات الحصانة النوعية في الحسابات الاستراتيجية للدول الحاصلة عليه، وهو غير متاح بحسب معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية 1968 ، ومعاهدة الحضر الشامل للتجارب النووية 1996، ومعاهدة حظر الاسلحة النووية 2017، بإعتبار ان مخاطر هذه الاسلحة تفوق قدرة البشرية على تحملها، وكانت تجربة هيروشيما ونكزاكي 1945 شاهد حي وبدائي على الجحيم النووي الذي صهر بقنبلتين صغيرتين مدينتين بلحظات، وهي المرة الاولى التي استخدم فيها هذا السلاح، وحتى الان لم يعتذر الامريكان عن جريمتهم تلك ، وعندما زار اوباما هيروشيما، قال: إن القادة في أوج الحرب عليهم ان يتخذوا كافة اشكال القرارات. اي ان السلاح النووي يبقى احد خيارات الحرب عندما لا يجد القادة في اوجها سبيلا آخر! لا يوفر تلك الحصانة النوعية أيةانواع أخرى من الاسلحة، التقليدية، وغير التقليدية ، كالطيران المسير والصواريخ بانواعها المستحدثة أو حتى تلك الاسلحة الكيميائية والبيولوجية المحرمة دوليا، وبرغم قفزات التطور الشامل وفي كافة صنوفالقتال ولوجستياته، البرية والجوية والبحرية والسيبرانية، إلا إنها جميعا لا ترقى في مفاعيلها ودمارها الشامل لما يمكن ان يخلفه السلاح النووي ما بقيت إشعاعاته المستدامة مبعثا للخراب البيئي والبيولوجي.
نقل المعركة لداخل كيان العدو انجع الوسائل لشل قدرته النووية، وبالتالي يكون اي سلاح تقليدي تحمله اياد مؤمنة بعدالة قضيتها ومدربة على فنون المقاومة وترفض منطق الخنوع سيشكل فارقا في معادلة الصراع بين المعتدي والمعتدى عليه.