جمال محمد تقي
هل تعلموا الدرس من بيت جن؟
جمال محمد تقي
ردة فعل تلقائية على واقعة محدودة في بلدة صغيرة من بلدات ريف دمشق، بيت الجن، تنزع عن الأمر الواقع كل مقتضايته، والذي تريده اسرائيل عرفا لا مناص منه، لكل جوارها وامصارها، ليكون الشرق الاوسط برمته مجالا حيويا لتغولها، ليس في بيت الجن غير اهلها، وهم ليسوا بشيعة، وبالتالي ليسوا من جماعة حزب الله، ومن غير المحسوبين على ايران، وهم ليسوا من حماس او اي جماعة اسلامية أخرى، اهالي البلدة يدافعون عن انفسهم، من هجوم متواتر لقوات اسرائيلية مدججة بالسلاح، تريد اذلالهم والتنكيل بهم لإخضاعهم وجعلهم عون لتوسعها الذي يسبب ضياع ارضهم وخراب عمرانهم والانتقاص من كرامتهم، اذن مقاومتهم هو حق مكفول بالدفاع الفطري عن النفس، عن البقاء وعن الملكية وعن الكرامة، والعبرة لمن يعتبر، وما حصل في بيت جن، لا يعني اسرائيل وسوريا فقط، إنما كل اطراف الصراع في المنطقة، من غزة الى الضفة الغربية ولبنان، حتى تلك التي تعتبر نفسها بمنأى عن التغول الاسرائيلي بتقية تطبيعها وتحالفها غير المعلن مع الكيان الصهيوني، بقوة دفع الراعي الامريكي، لمواجهة ايران، وجعلها الشغل الشاغل للدول العربية من المحيط الى الخليج، مرورا بتهميش القضية الفلسطينية والقفز على مستحقاتها كاملة، بهدف قيامة اسرائيل الكبرى التي تتجاوز أرض مابين النهر والبحر الى تخوم دمشق والليطاني، مع الهيمنة على سماء الشرق الاوسط ومصائر دوله، وذلك بإدخالها جميعا لبيت طاعتها، مقابل ضمان استمرار حكم حكامها المطيعين!
على من يلوم وينتقد دعاة وحدة الصف العربي والاسلامي بوجه اسرائيل ونهجها التوسعي والمطالبين بمقاطعتها والتراجع عن سياسة التطبيع معها حتى تتراجع عن غيها، وعلى من يلوم وينتقد حزب الله وحماس، واصحاب الدعوات لإنتفاضة شعبية ضد حرب الابادة على مزارعي وبدو الضفة ومخيماتها، كجنين ونور شمس وطولكرم، والتي تتوسع يوميا لتشمل كل مخيمات الفلسطينيين في الضفة، وحتى في لبنان، وربما في سوريا والاردن لاحقا، بذريعة خطرها التعبوي على أمن اسرائيل، عليه ان ينظر لما يجري على سوريا، ويفتي او يجيب على السؤال المر، والذي لابد منه عندما يدوس منطق جنون القوة الاسرائيلية سيادة وكرامة دول المنطقة وشعوبها، ما العمل؟
هذه حكومة سوريا الجديدة ومنذ الاطاحة بنظام الاسد، تعلن وعلى رؤوس الاشهاد، بأنها لا تريد إتباع سياسة عدائية ازاء اسرائيل، وترغب قولا وفعلا بالجنوح للسلام معها، ومستعدة للخوض بترتيبات تفضي لتسوية حقيقية، تضمن مصالح كل الاطراف، وهي تسعى جاهدة، بعد ان توطدت علاقتها بامريكا، والتي باتت على مقربة فاعلة من كل صغيرة وكبيرة في مسيرتها، للتجاوب مع وساطتها لتقريب وجهات النظر بخصوص الاراضي السورية المحتلة، ثم توقيع معاهدة سلام دائمة، ويشهد على ذلك، السفير توماس باراك، المبعوث الامريكي لسوريا، وهو على دراية كاملة بأن سوريا اليوم اقصت التواجد الايراني بكل مركباته، ومنعت اي وجود فلسطيني او لبناني مسلح على اراضيها، وهي عمليا قد اغلقت البوابة السورية بوجه حزب الله، وفتحت المجال امام المفتشين عن الاسلحة المحرمة، وقد اثبتت بانها لا تريد بناء اي قدرات عسكرية هجومية، وتكتفي بما يضمن سلامة امنها الداخلي وضبط حدودها لتتوجه كليا لاعادة الاعمار وانعاش اقتصادها شبه المنهار!
واقعية الحكومة السورية الجديدة وثقل التحديات الوجودية التي تواجهها داخليا وخارجيا جعلت من اولوياتها الابقاء على اتفاقية فك الاشتباك 1974 كحد فاصل يمكن بموجبه بناء تفاهمات امنية مع اسرائيل، تكون قاعدة انطلاق مستقبلية لاتفاق سلام شامل يغطي كامل الاراضي السورية المحتلة بما فيها هضبة الجولان، لكن عدوانية اسرائيل ونهجها التوسعي وانتهازيتها وغرور فائض القوة لديها، كل هذا جعلها تتمادى في توسيع مناطق احتلالها ونفوذها في عمق الجنوب السوري، حتى بلغ الصلف بها، بجعل كل اراضي محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء منزوعة السلاح، وتحت رقابة جوية اسرائيلية دائمة لمنع القوات النظامية السورية من التواجد، تارة بحجة حماية دروز السويداء وتارة للحفاظ على امن مستوطنات الجولان المحتل من عمليات تهريب السلاح، وكلها اسباب واهية للتغطية على اطماعها السافرة، فالهدف الحقيقي هو استباحة سوريا وجعلها حديقة خلفية لاسرائيل ومشاريعها الاستراتيجية باقامة اسرائيل الكبرى، وإلا، ما دواعي قصف بقايا سلاح البحرية السورية في الساحل، وما مبررات قصف الاعيان العسكرية في دمشق، وبناء قواعد رادارية واجهزة تنصت على قمة جبل الشيخ؟
الحكومة السورية تستنجد بالوسطاء والاشقاء وبالامم المتحدة للضغط على اسرائيل كي تكف عن عدوانها وتوغلاتها المتكررة وتلتزم بالاتفاقيات الدولية وتحترم السيادة السورية، دون جدوى. إسرائيل لا تخفي سعيها لتفكيك سوريا واشاعة حالة من عدم الاستقراربين مكوناتها، وهي تراهن على تأليب الاوضاع الداخلية بدعم الجماعات المنفلتة ومدها بما يلزم لزعزعة النظام وهندسة الفوضى والاستثمار بها، وهذا ما تفعله تحديدا مع بعض الجماعات الدرزية والكردية!
ما العمل؟ هل المطلوب من الحكومة السورية الاعلان عن اعترافها باسرائيل وبحدودها الجديدة المحاذية لريف دمشق؟ هل المطلوب منها نزع سلاح قواتها النظامية والاكتفاء بالتسلح بالعصي والسكاكين؟ ربما المطلوب منها السماح بأشراف اسرائيلي مسير على مقدراتها وحدودها وعلى مطاراتها لضمان انصياعها؟
ما يجري على سوريا التي لم تطلق رصاصة على اسرائيل منذ عقود، ولم تنطلق من حدودها اي عمليات فدائية، دليل عملي صارخ على اكذوبة ان اسرائيل لا تقاتل من يسالمها وانها في موضع الدفاع عن النفس وانها مهددة بوجودها وهذا مايبرر سلوكها، بل العكس هو الصحيح فسوريا هي في موضع الدفاع عن النفس، هي من تُحتل ارضها، وتقصف عاصمتها، وهي المجني عليها، وفوق هذا كله تطالب بتفاهمات مسالمة، واسرائيل ترفض!
يا دعاة التطبيع ما العمل؟
ايران رُحلت من سوريا، واحمد الشرع لا يطيق حزب الله، وهو لا يتدخل بالشأن الفلسطيني، ولا يعد العدة لتحرير فلسطين، فلماذا تنتقم منه اسرائيل؟ قد يقول قائل ان اسرائيل لا تنتقم من الشرع وانما من سوريا، ولكن انتقامها هذا قد يدفعه هو للانتقام ايضا دفاعا عن سلطته، وهنا تعاد الكرة مرة اخرى، والعلة كلها في جشع اسرائيل التي لا تكتفي فعليا بما بين النهر والبحر!
يبدو ان حسن واخوته من "بيت جن" يدركون بالفطرة إن انعدام ردود الافعال المناسبة على الافعال غير المناسبة، هو اصل العلة، فاذا عجزت السلطة النظامية عن توفير الحماية لمواطنيها، من محتل غاشم، فمن حقهم الشرعي الدفاع عن انفسهم بمقاومة شعبية ايديولوجيتها الصرفة الدفاع عن النفس، أم ان هناك رأيا آخر؟