
جاسم الحلفي
شرعنة الاستبداد
لا يوجد ما يميز نهج متنفذ عن نهج آخر، ولا توجد كذلك فروقات جوهرية بين سياسة هذا الطرف المتنفذ عن ذاك. فمشتركاتهم والحق يقال كثيرة، وهم لا يتباينون الا في بعض الشكليات. حيث تبنوا جميعا نهج المحاصصة الطائفية والاثنية، وعملوا على تكريسها كسياسة عامة في مؤسسات الدولة، ورسخوها في المجتمع. وكان ذلك بعد ان انتج فكرهم نظرية المخاوف، ونجحوا الى حد غير قليل في تخويف كل طائفة من الطائفة الاخرى، فضلا عن تخويف العرب من الكرد وبالعكس. واستثمروا من اجل ذلك كل الجهد، وجله غير مشروع، في خلق اصطفافات طائفية واثنية، شكلت حجر عثرة امام المشروع الوطني الديمقراطي للعراق. هذا المشروع الذي يعتمد المواطنة كهوية يتساوى من خلالها المواطنون، وتعتبر التنوع القومي والديني اثراء ثقافيا ومعنويا كبيرا، مع احترام الخصوصيات والهويات الفرعية.
من جانب آخر لا يوجد ثمة اختلاف بينهم في حماية الفاسدين، وتوفير الامان للمفسدين. فهم في الغالب متفرجون امام غول الفساد المتمترس في مرافق الدولة ومؤسساتها، والمتحول الى قوة وثابة، دائبة النشاط والحركة، لا تشبع من نهب الاموال العامة، وتستخدم كل الامكانيات واقصر الطرق للاستحواذ على كل شيء، لا سيما وانها اصبحت مؤسسة. نعم، مؤسسة الفساد اليوم هي الاكبر والاهم، وقد باتت تهدد الحياة اليومية للمواطن. فعلام إذن السؤال عن المليارات المفقودة ومثلها التي هدرت، وعن الذي يحمي عتاة المجرمين، وذاك الذي يوفر الاجواء للارهابيين كي ينفذوا جرائمهم بحق المواطنين الامنين!؟
كما لا يوجد اختلاف بين الكتل المتنفذة من ناحية الولاءات الاقليمية. فما من جهة نأت بنفسها عن التأثيرات الاقليمية، بل ان البعض منها مهموم بمصالح هذه الدولة الاقليمية او تلك على حساب مصالح العراق، بل وينشط كأنه ممثل عنها، وهو في الحق كذلك. فالواجب يدعوه الى رد الجميل نظير ما قدم له من دعم اثناء الحملات الانتخابية وما قبلها. بل ان منهم – كما يهمس العارفون- من ينطوي جهده على اكثر من مجرد رد الجميل.
ثم ان وجهتهم واحدة في اقتسام المكاسب والعطاءات والامتيازات الشخصية، وفي الدفاع عن مصالحهم الخاصة. بل انهم متوحدون في توزيع مناصب الدولة والوظائف العامة، وفق جدول دقيق وآلية صارمة. حيث يبدأ التوزيع بارضاء الابناء واولاد العمومة والاقربين الآخرين وابناء العشيرة، ثم ابناء الطائفة، فلا يبقى للشاب الذي لا تنطبق عليه شروط جدولهم غير قارعة الطريق!
لم يحدث ان تعفف احدهم عن شراء الاصوات، وعن استخدام المراكز الحكومية ومؤسسات الدولة في الدعاية الانتخابية. كما لم يسجل لاحدهم انه وقف بالضد من عمليات التزوير الفاضحة، او استنكر الشد الطائفي والتخويف القومي من اجل كسب الاصوات. وشخصيا لم اجد بينهم من يحرص على التحول الديمقراطي حقا، لذا لم استغرب طغيان المحاصصة الطائفية والقومية في تشكيل مجلس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وقبل ذلك ابقاء فقرة الاستحواذ على الاصوات التي لا تخصهم ولم تمنح لهم، في قانون انتخاب مجالس المحافظات.
فشرعنة سرقة الاصوات والاستحواذ عليها، هي ايضا من تجليات الاستبداد.