مارتن كورش تمرس
القانون لا يَحْمِي المُغْفَلِينَ
مارتن كورش تمرس
لولو
محامي وقاص
المقدمة:
قبل الشروع في هذا البحث، من المناسب عرض الخلفية الواقعية التي تأسّست عليها المقولة المشهورة (القانون لا يحمي المغفلين).
يروى أنه قبل عقود، كان شاب أمريكي يعاني فقرًا شديدًا، فابتدع حيلة احتيالية تهدف إلى تحقيق ثراء سريع. نشر إعلانًا في إحدى الصحف المحلية يتضمن: »أرسل دولارًا واحدًا إلى رقم الحساب ++++++ وستصبح ثريًا خلال ثلاثة أيام«. استجاب آلاف الأشخاص للإعلان، وأرسل كل منهم دولارًا واحدًا، فجمع الشاب مبالغ مالية طائلة. وبعد اكتشاف العملية الاحتيالية، تقدم كثير منهم بدعاوى قضائية ضده، غير أن القاضي خلص في حيثيات حكمه إلى العبارة الشهيرة (القانون لا يحمي المغفلين) وبذلك ضاعت حقوق المدّعين وتبددت مطالبهم. ينبغي هنا التوقف عند هذه المقولة، بوصفها ذريعة يعتمد عليها بعض الجناة، إذ يوظفونها لاستغلال جهل الآخرين، والاستيلاء على أموالهم عبر أساليب احتيال قد تبدو - للوهلة الأولى - مشروعة أو غير مخالفة للقانون.
دَحْض نَظَرِيَّةِ:
(القانون لا يَحْمِي المُغْفَلِينَ)
كثيرًا ما يردد الناس هذه المقولة، وفي مقدمتهم بعض المثقفين. غير أنك لو سألت أهل القانون، وخاصة المحامين، لوجدت أنهم غير راضين عنها. بناءً على (ما بني على باطل فهو باطل). ولأن تطبيقها يؤدي إلى هضم حقوق العديد من المظلومين، بسبب جهلهم بالقوانين من جهة، ومن جهة أخرى لأنها تُضعف الأمل في إقامة دعاوى لاسترداد الحقوق، أو المطالبة بالتعويض والقصاص من الجناة.
أنا اليوم هنا لأدحض هذه المقولة التي بُنيت على خطأ؛ فليس من الصواب العمل بها ما دامت لا توفر الحماية لمن وُصفوا - معذرة - بـ(المغفلين). فمن يا ترى يحمي المشرِّع إذا كان القانون عاجزًا عن حماية الضعيف، والساذج، وطيب القلب، وغير الخبير بشؤون القانون؟ علمًا أن جميع القوانين المدنية في العالم تقدم الحماية القانونية للقاصر.
إذن، ما الذي يدفع المشرّع في القوانين المدنية الأوروبية إلى نزع حصانة حماية حقوق الغافل، وتقديمها - كما لو كانت في صحن من ذهب - إلى الجاني الذي استغلّ مشاعر وعواطف الطيبين من الناس؟ لقد فات المشرّع الأوروبي أن مال الفرد هو جزء من المال العام؛ ومادام الأخير محميًا، فلا مبرر لوضع مال الفرد خارج دائرة الحماية القانونية.
قد يُثار هنا سؤال مفاده: لا توجد في القوانين المدنية أو الجزائية مادة صريحة تحمي الجاني.
نعم، هذا صحيح. لكن عدم دفاع القانون عن المجني عليه يعني عمليًّا حماية الجاني بإطلاقه حرًا. فلا يجوز لأي تشريع أن يهمل أفرادًا في المجتمع بحجة أنهم لا يفقهون في القانون أو في النظام العام. ليس كل الناس سواءً في مستوى الفكر والذكاء، ولذلك يعجز بعض الأفراد عن حماية أنفسهم أو أموالهم. فإذا كان القانون - الذي وُجد أصلًا لخدمة الناس في حقوقهم - جامدًا ساكنًا لا حركة تدبُ فيه، فإن حقوق وأموال الكثيرين ستُهدر، بما يعني وجود ثغرة قانونية يستغلها الجناة لنهب أموال الآخرين.
ولا عُذرَ للمُشَرِّعِ في تركِ ثُغرةٍ مقصودةٍ في تشريعاته، وهو يَعلَمُ أنَّ واجبَهُ عند سنِّ القوانين أن يجعلها شاملةً جامعة، تُحقِّقُ الغايةَ من صياغتها، وهي حمايةُ حقوقِ الفردِ والمجتمعِ، والحقِّ الخاصِّ والعامِّ على السواء. فالتشريعُ الذي لا تَشمَلُ مَظلَّتُه جميعَ أفرادِ المجتمع يُعَدُّ تشريعًا ناقصًا، لأنّ وظيفةَ القانون حمايةُ الكيانِ الاجتماعيِّ بكامل عناصره الإنسانية والبيئية، لا أن يترك فئاتٍ منه عُرضةً للاستغلال.
وما دام الأمرُ كذلك، فإنّ التشريع مُعابٌ، وتحتاجُ موادّه إلى تعديلٍ أو إلغاءٍ أو إعادةِ صياغة، ولا سيما أنَّ معظمَ المتلاعبينَ بقوتِ الناس استطاعوا الترويجَ لهذه النظرية، وجَعْلَها دِرعًا يَتَّقون به مساءلةَ ممارساتِهم في النصبِ والاحتيال، ثم الإفلاتِ من عقوبةِ جريمةٍ مكتملةِ الأركان.
إن ترك هؤلاء الجناة يستغلّون الغير، وهم يستولون على أملاكهم في وضح النهار، يعني تعرّض الأموال والحقوق وكل ما جمعه المجني عليهم لسنواتٍ طويلة إلى خسارة في يوم واحد بسبب الإغواء. علمًا بأن هناك إلى يومنا هذا أفرادًا يمارسون معاملاتهم اليومية بنيّة طيبة؛ بالأخص أذكر القادمون الجدد من الشرق إلى بلدان المهجر، وقد حصلوا تَوًّا على إذن الإقامة الدائمة وفي حوزة أحدهم مبلغٌ لا بأس به جمعه بتعبٍ وشقاءٍ وعناء، كأن يكون قد باع بيته وسيارته ومجوهرات زوجته ليصل إلى بلد المهجر.
وما إن يصل، حتى تراه يجول بين الشرقيين القدماء يسأل عن كيفية استثمار ماله والعيش بكرامة دون الوقوف أمام باب البلدية، فتقوده قدماه ليقع في شِباك مجرمٍ متمرّس، محمي بذكائه الشيطاني، فيستلم رأس مال ذلك الطيّب ويختفي. وإذا ما صادفه لاحقًا، يسمعه يقول له بكل وقاحة:
- لم أضربك على يدكَ… هيا، أُغربب عن وجهي.
فيظُنّ ذلك الشرقيُّ الطيّب، الذي استغلَّه شرقيٌّ آخر، أنّ المحاكمَ والشرطةَ ستستعيدان له حقَّه؛ لكن هيهات، فلا جوابَ لِمَن تُنادي. ولذلك لا يجد ذلك الطيّبُ أحدًا يقف إلى جانبه، ولو طرَقَ بابَ القانون وأراد أن يُوَكِّلَ محاميًا لَسَمِعَه يقول له: »القانونُ لا يَحمي المغفَّلين.« لقد أصبح الترويجُ لهذه النظرية علانيةً، وكأنّ وسائل الإعلام تقول - على لسان المشرِّع - إنّ أمرَ المغفَّلين لا يَهُمُّنا، وكأنّ المشرِّع قد شرَّع قوانينه لحماية الجُناة. إنّه تبريرٌ غيرُ إنسانيٍّ لتهرُّبِ المشرِّع من حماية أموالِ أفرادِ المجتمع، بسببِ ضعفٍ في قوانينه العقابية، وبسبب مقولةٍ قديمةٍ قيلت ونُفِّذَت من قِبَلِ قاضٍ شدَّ على يدِ شابٍّ عَرَفَ من أين تُؤكَلُ أكتافُ الطيّبين.
لذلك ينبغي على المشرِّع أن يوقف العملَ بهذه النظرية، ولا سيّما أنَّ دولَ أوروبا تضمُّ مجتمعاتٍ متطوّرةً تقنيًّا وثقافيًّا على أراضيها، وقد قطعت أشواطًا واسعةً في ميدان حقوق الإنسان. غير أنّ السلطةَ القضائيةَ في بلدانِ المهجر الأوروبية؛ على ما يبدو؛ تتناسَى ذلك الجيشَ العَرْمَرِمَ من اللاجئين الذين دخلوا أراضيها وهم يحملون في جعبتهم الكثيرَ من عدمِ المعرفة. وفوق ذلك، فقد حَمَلوا على ظهورهم كلَّ أموالهم ومقتنياتهم، معتقدين أنّهم نجَوا بها مع أرواحهم من صحراءِ الحروبِ ونَزيفِ الدماء.
إذًا، هل يبقى التشريعُ في دولِ قارةِ أوروبا لا يُحرِّكُ ساكنًا، وأمامه تقع جرائمُ تُلحق الأضرارَ بطيّبي القلوب والساذجين والأميّين، الذين لا يَعرفون الحيلةَ ولا المكر؟ فعلى المشرِّع أن ينتبهَ لِما يجري أمامه وفي وضح النهار، بل وعلى الجهاتِ الإعلامية أن تُقدِّمَ الوعيَ الفكريَّ للقادمينَ الجُدُدِ إلى دولِ المهجر، إذ لا يُعقَل أن يقف التشريعُ صامتًا لا يحمي المتضرِّر. وإنَّ عدمَ مبالاةِ المشرِّع الأوروبيّ بما يقع من ضررٍ على مواطنيه، مُتجنِّسينَ كانوا أو مقيمين، يعني أنّه غيرُ قادرٍ على استردادِ المالِ العامِّ الذي تعرّض للسرقة في وضح النهار. إنّ سكوتَ القانونِ هنا يُعَدّ بمنزلةِ منحهِ صكًّا من صُكوكِ البراءةِ لمرتكبِ جريمةٍ ضدَّ فردٍ، وأحيانًا ضدَّ أفرادٍ.
دعونا نسمع هذا الحوار:
- يا صديقي، لقد وثقتُ بكَ يومَ أقرضتُكَ المبلغَ الذي طلبتَه مني، ولِمَحبّتي لكَ لم أطلب منكَ أن تُحرِّر لي صكًّا أو وصلَ أمانةٍ يُثبت دَيْني عليك. لقد عاملتُكَ في غُربتنا عن الوطن بمحبّةٍ ووقار، ولم أُطالِبْكَ بدَيْني إلا حين سمعتُ أن دخلكَ قد تحسَّن نتيجةَ نمو عملكَ.
- هل لديكَ مُستند؟ هل وَقَّعتُ لكَ على ورقةٍ أُقِرُّ فيها بأنني مدينٌ لكَ؟ يا صديقي، لستُ مدينًا لكَ بسنْتٍ واحد! هَيّا، اذهَبْ من هنا، لأني في انتظار غيرَكَ.
نندهش؛ ونحن اليوم في إحدى دول أوروبا؛ حين نسمع عن أشخاصٍ محتالين ونصّابين يسرقون الناس بحجّةِ أنَّ (القانون لا يحمي المغفَّلين). وإليكم هذه الجريمة التي وقعت في نهاية عام 2014 في مدينة Göteborg (يوتيبوري) السويدية، وقد ارتكبها الجاني المدعو (ف)، القادمُ من العراق إلى مملكة السويد منذ أكثر من خمس عشرة سنة، وصاحبُ أسواقٍ لبيع المواد الغذائية والخضروات في منطقة (Hjällbo) حيث خطط لارتكاب جريمته لأكثر من سنة، إذ استطاع استغلال طيبةِ الناس القادمين من العراق، الذين كانوا يتسوقون من أسواقه، بحيث تمكن من جمع أموال طائلة منهم، ومن بينهم أصدقاؤه وأقرباؤه ومعارفه وجيرانه، إضافةً إلى زبائن المحل، بحجّة تشغيل هذه الأموال ودفع فوائد بسيطة لهم، مع أنّه كان أحيانًا يعتذر بحجّة تعرّض مبيعاته للخسارة.
وبعد سنة ونصف، وهم كعادتهم ينتظرون في نهاية كل شهر استلام فوائدهم، اندهشوا حين قدموا إليه فلم يجدوه في أسواقه! انتظروا طويلًا، لكن من دون جدوى، فحاولوا الاتصال به على هاتفه المحمول وهاتف منزله، لكن لا جواب لمن تُنادي. بعدها جاءهم نسيبه وأخبرهم أنّ الجاني المدعو (ف) قد ترك مملكة السويد وهرب إلى جهة مجهولة مع عائلته، حاملاً كل تلك الأموال التي تجاوزت قيمتها 400 ألف دولار أمريكي! وبعد أيام، علموا بوجهة هروبه، والتي كانت أستراليا.
لم أصدّق كلَّ ما كان يجري أمام عينيّ، كأنني أشاهد مشهدًا واحدًا من مسرحيةٍ بطلها مجرم! وقف القانون أمامه ضعيفًا، لا يقوى على حماية المجني عليهم، بل إنّ أحدًا منهم لا يقدر على رفع دعوى ضده أمام المحاكم بحجّة أنّه قد استلم أموالهم بدون مستند.
بل عرف هذا الجاني من أين تُؤكل كتف الفرد الساذج، إذ كانت بعض تلك الأموال عبارة عن معونة من بلدية المدينة مخصصة للطعام والشراب واللبس! لذلك، لم يتجرّأ أيٌّ من المجني عليهم على التقدّم إلى الشرطة بشكوى، إذ سيجد نفسه مُتهمًا بتبذير المال المقدم له من البلدية لتغطية مأكله ومشربه وكسوته. بل قد تلجأ البلدية إلى حرمانه من مبلغ المنحة الشهرية الإنسانية بحجّة تبذيره، أو قد تتهمه وفق مبدأ قانوني يُسمّى (سوء التصرف بالمال العام).
إنّهما مبدآن قانونيان متعارضان! يتفقان على تبرئة المجرم وإدانة الضحية ظلمًا. كيف تقف الدولة مكتوفة الأيدي ولا تُقدّم تشريعًا يُحي ويؤهل لإعادة الأمور إلى نصابها؟ هل يجوز للتشريع أن يقف صامتًا، دون أن تتحرّك موادُّ قوانينه الجزائية لاسترداد المال المسروق وإعادته إلى الخزينة العامة؟
أيها المشرع في كل دول أوروبا، هيا واطلع على قانون أورنمو ومسألة حمورابي. هيا، ألغِ موادًّا وشرّع أخرى لتتعدّل قوانينك المدنية والعقابية والجزائية! لتكون الحماية القانونية مواكبةً للمال الذي خرج من الخزينة العامة لسد حاجةٍ خاصة، والذي منحته البلدية لأفراد لاجئين لتغطية احتياجاتهم الشخصية، لكن بسبب تصرفات فردية غير مسؤولة أُهدر المال، نتيجة تحفيز وأغواء من أشخاص متمرسين في ابتزاز واستغلال الغير.
هيا أيها المشرع الأوروبي، افتح باب التعديل في تشريعك، وأنا واثق أنّنا لن نرى بعد اليوم محتالًا على أرض القارة مرتديًا قناع «سامكو بغداد» كما في تسعينيات القرن الماضي.
مقترح للمشرع الأوروبي:
لأجل استرداد الأموال المسروقة بالطرق المذكورة أعلاه، يُرفع دعوى من المتضررين في أموالهم، ليقدّم الادعاء العام طلبًا إلى المحكمة الموقّرة لدعوة ممثل الحكومة ليكون طرفًا ثالثًا في الدعوى، باعتبار أن المال موضوع الجريمة خرج من الخزينة العامة. ويقدّم الطرف المتضرّر (المدعي) تنازلًا عن حقه للطرف الثالث، ليتحوّل إلى طرفٍ رئيسٍ في الدعوى، ويكون القرار النهائي لصالحه.
إضافةً إلى ذلك، يشمل الإجراء حبس الجاني وتغريمه، وإنذار المجني عليه في حال ارتكب جريمة إهدار المال العام الذي استلمه على مراحل لتغطية احتياجاته الشخصية، إذ إنّ عدم مبالاته يؤدي إلى وضع المال في غير مكانه.
وفق هذا المقترح، ولحماية المال العام، يمكن للمشرّع تعديل قانونه الجزائي لدحض النظرية البالية، فيُلغى مفعولها وتُعدّل صياغتها لتصبح كما يلي: » القانون يحمي حتى المغفلين«.
أمنية: أتمنى أن ينال هذا البحث القانوني مكانته لدى رجال القانون.
المحامي والقاص
مارتن كورش تمرس لولو