كـتـاب ألموقع

المسار الأمني في «إتفاقات أبراهام»- القسم الاول// محمد السهلي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

محمد السهلي

 

عرض صفحة الكاتب 

المسار الأمني في «إتفاقات أبراهام»- القسم الاول

محمد السهلي

مدير المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»

 

مقدمة

المحور الأول: بوصلة التحالفات الأمنية الأميركية

المحور الثاني: المسار الأمني في مجرى التطبيق

ملحق

 

مقدمة

[ تتضمن هذه الدراسة عرضاً تحليلياً للمسار الأمني الذي قطعته «إتفاقات أبراهام»، وهي تقترب من إتمام عامها الرابع، وقد بدأت الدراسة بمدخل يضيء على المحطات السياسية التي سبقت الوصول إلى توقيع هذه الإتفاقات، فيما توزعت العناوين الأخرى على محورين:

• تناول المحور الأول الإطار التاريخي للتحالفات الأمنية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومستوى الإلتزامات المتبادلة مع الشركاء في أبرز وأقوى المعاهدات الأمنية التي أبرمتها واشنطن خلال حقبة «الحرب الباردة»، وقد برزت ضرورة هذه الإستعادة في ظل المقارنات ما بين طموحات الأطراف العربية في «إتفاقات أبراهام» بالحصول على إتفاق أميركي يلتزم حمايتها، وبين ما التزمت به الولايات المتحدة في معاهداتها الأمنية مع حلفائها في تلك الحقبة.

وعرض المحور في عدد من العناوين محددات التحالف في الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط بدءاً من العلاقة العضوية التي تربط ما بين واشنطن وتل أبيب وصولاً إلى الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها هذه الاستراتيجية في الاقليم.

• وتقدم الدراسة في محورها الثاني، تغطية مكثفة للخطوات التي تم قطعها في المسار الأمني على صعيد كل طرف عربي عبر الإتفاقات والتفاهمات التي توصل إليها مع واشنطن وتل أبيب منذ توقيع «إتفاقات أبراهام». وقد تضمنت هذه التغطية  موجزاً عن تاريخ العلاقات الأمنية بين أطراف الإتفاقات قبل ترسيمها في العام 2020:] 

أكملت إسرائيل، بنتيجة حربي 1948 و 1967، إحتلال فلسطين وسيطرت على مساحات واسعة من أراضي الدول العربية المجاورة. وبقدر ما شكل هذا إنتصاراً لمشروعها التوسعي، في تلك المرحلة، وقدَّمها دولة قوية في الإقليم، بقدر ما أبرز أمام واضعي استراتيجياتها معضلة الإجابة على سؤال مستقبلها في المنطقة، التي شخصوها بـ«البيئة المعادية».

لقد طُرح هذا السؤال في سياق التداول الإسرائيلي حول كيفية تثبيت مكانة إسرائيل إلى جانب الدول الإقليمية الكبرى، ذات «المقومات الاستراتيجية»، بما تحوز عليه من إمكانات إقتصادية واستقرار سياسي وقدرات أمنية وطاقات بشرية وبعد تاريخي، وما تتمتع به من «عمق إقليمي»، تعبر عنه شبكة من العلاقات التبادلية مع دول الإقليم، في حين لا تمتلك الدولة العبرية العديد من هذه المقومات؛ من بينها علاقات التعاون الإقليمي، بسبب افتقادها إلى العلاقات الطبيعية مع دول الإقليم، الذي حشرت نفسها في خريطته بقوة العدوان المستدام.

قامت المعالجة الإسرائيلية لهذه «المعضلة» على مقاربة سياسية أجمعت على جوهرها مختلف الأحزاب الصهيونية. تقوم هذه المقاربة أولاً على فصل «الملف الفلسطيني» عن إستحقاقات الإحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في حرب حزيران/ يونيو 1967. ووفقاً لذلك، تعرض إسرائيل على الدول العربية المحتلة أراضيها تسويات سياسية ثنائية، تضع فيها خطوط «الحدود الآمنة» التي تنشدها، مقياساً لازماً لخريطة إنسحابها من هذه الأراضي، مقابل عقد إتفاقات سلام وتطبيع علاقات مع كل من هذه الدول وصولاً إلى تعميم التطبيع في المنطقة العربية.

وفي «الملف الفلسطيني»، تقطع هذه المقاربة ما بين إستحقاقات النكبة وتداعيات حرب حزيران، أي شطب حق عودة  اللاجئين الفلسطينيين. وتنكر الهوية الوطنية للأراضي الفلسطينية المحتلة - 1967، وتحديداً في الضفة، وتعتبرها «أراضٍ أميرية» باتت بحكم المشاع بعد انهيار السلطنة العثمانية وانتهاء الوصاية الأردنية. وبذلك، يقتصر بحث الملف الفلسطيني على صياغة شكل من أشكال الحكم الإداري الذاتي محدود الصلاحيات وبدون مقومات سيادية، وظيفته إدارة شؤون الحياة اليومية لـ«السكان» في هذه الأراضي.

نجحت إتفاقيات «كامب ديڤيد»- 1978 ومعاهدة السلام التي أعقبتها- 1979، في إخراج مصر من دائرة المواجهة العسكرية مع إسرائيل، وألغت هواجس تل أبيب من حرب جماعية عربية أخرى ضدها، بعد حرب أكتوبر 1973. لكن هذه الاتفاقية لم تكسر عزلة الدولة العبرية، بل أدت في مرحلة من المراحل إلى عزل مصر نفسها عن محيطها العربي. وعلى الرغم من العلاقات التي نشأت بين عدد من الرسميات العربية وبين إسرائيل على وقع هذه الإتفاقية، إلا أن هذه العلاقات بقيت في الظل. وبقي، بالتالي، المسعى الإسرائيلي لكسر عقدة «الإنعزال الإقليمي» مجرد طموح، خاصة بعد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران- 1979، الذي أضاف عدواً جديداً لها في الإقليم حل مكان حليفها القديم ممثلاً بالنظام الإيراني الغابر.    

تعقدت المساعي الإسرائيلية للإنفتاح على المحيط العربي مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى- 1987، وأدى استمرارها واتساعها إلى جانب الممارسات القمعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، إلى شبه عزلة إسرائيلية على الصعيد الدولي، إلى أن نجحت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الإقليم في استدراج الرسمية الفلسطينية بالمشاركة – بشروط مجحفة - في مسار التسوية من بوابة «مؤتمر مدريد للسلام»- 1991، ومن ثم الانخراط في مسرب فرعي من المفاوضات السرية أوصل إلى توقيع «إتفاق أوسلو»- 1993.

وجاءت معاهدة «وادي عربة» بين إسرائيل والأردن- 1994، وترسيم العلاقات الديبلوماسية المغربية - الإسرائيلية في العام نفسه، لتنعش الطموح الإسرائيلي مجدداً في شغل موقع معترف به في الإقليم، وبرز بتأثير هذه التطورات مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، الذي تحتل فيه إسرائيل موقعاً مركزياً.

بات تطبيع العلاقات مع إسرائيل جزءاً من مكونات الخطاب الرسمي العربي مع اعتماد «مبادرة السلام العربية» في القمة العربية التي انعقدت في بيروت- 2002، لكن المبادرة إشترطت لنسج هذه العلاقات، الإنسحاب من كامل الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة عام 1967 + إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس + «حل متفق عليه بموجب القرار 194 لقضية اللاجئين الفلسطينيين». وبالطبع، رفضت تل أبيب المبادرة لأنها تتعارض تماماً مع مقاربتها.

صدرت المبادرة العربية في وقت كان لايزال فيه فاعلاً – وإن بحدود - مبدأ «العمل العربي المشترك»، قبل أن يتآكل بفعل الإنقسام الرسمي العربي حول الموقف من تطورات مفصلية شهدتها المنطقة العربية بدءاً من الاحتلال العراقي للكويت - 1990 وتداعياته، ومن ثم حرب إخراج العراق من الكويت – 1991 + الغزو الأميركي للعراق - 2003. وجاءت حقبة الصراعات الداخلية التي شهدها عدد واسع من الدول العربية كمصر وتونس وسوريا وليبيا واليمن لتطلق «رصاصة الرحمة» على هذا المبدأ، بسبب إنتقال معظم الأطراف الرسمية العربية من حالة الإختلاف في الموقف، إلى التوزع على خنادق متقابلة في جبهات الصراع السياسي والميداني في هذه البلدان.   

تراجعت الأوضاع الفلسطينية منذ توقيع «إتفاق أوسلو» بسبب الإنقسام السياسي الذي أحدثه في الحالة الفلسطينية. ومع مرور الوقت، باتت تتكشف، حتى للمدافعين عن الإتفاق، سياسة «الشريك الإسرائيلي» القائمة على التمسك بمنجزات الإتفاق الأمنية والإقتصادية، وتجاهل أية إستحقاقات تخدم الشعار الخادع الذي تحدث عن قيام دولة فلسطينية مستقلة. وبعد فشل قمة «كامب ديڤيد 2»- 7/2000، أدى تفاقم الإحتقان السياسي والشعبي الفلسطيني إلى اندلاع الإنتفاضة الثانية - 9/2000.

كان من المفترض أن تقلب هذه التطورات الطاولة في وجه السياسات التي أوصلت إلى توقيع الإتفاق، لكن ذلك لم يحصل بسبب تمسك القيادة الرسمية الفلسطينية، المرتبطة بشبكة علاقات إقليمية ودولية، بهذا النهج، وبسبب عدم قدرة القوى السياسية والمجتمعية التي تعارض هذه السياسات على فرض البديل القائم على إعادة الاعتبار لبرنامج وخطاب التحرر الوطني.

تولى حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو للمرة الثانية مقاليد الحكم في إسرائيل- 2009، ومازال مستمراً في هذا الموقع منذ ذلك الوقت، باستثناء 17 شهراً حكمت خلالها حكومة بينيت - لبيد، منها 5 أشهر مرحلة إنتقالية. وخلال فترة حكم نتنياهو المديدة باتت المقاربة الإسرائيلية لحل الصراع وتطبيع العلاقات مع الدول العربية أكثر ملموسية مع التقدم في تنفيذ مشروعه السياسي تجاه القضية الفلسطينية بشقيه: «الضم» و«السلام الاقتصادي». وقد تلقى هذا المشروع دعماً تطبيقياً مع مجيء دونالد ترامب على رأس الإدارة الأميركية - 2017، وإعلان خطته المعرفة بـ«صفقة القرن» رسمياً- 28/1/2020، والتي تطابقت مع المقاربة الإسرائيلية في فصل «الملف الفلسطيني» عن القضايا العربية الأخرى تحت يافطة «السلام الإقليمي»، كما تطابقت معها بما يخص فصل مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة عن مستقبل أصحابها الأصلانيين.

وبفعل الضغوط الأميركية والاستعداد القائم لدى بعض الأطراف العربية، شهد العام 2020 توقيع 4 دول عربية على إتفاقات تطبيع مع اسرائيل، وفق مسار سُمّي بـ«اتفاقات ابراهام»، وهي على التوالي: الإمارات- 13/8، البحرين- 11/9، السودان- 23/10 المغرب- 22/12

 

المحور الأول

بوصلة التحالفات الأمنية الأميركية

 

1- إلتزامات واشنطن الأمنية بين حقبتين

2- الولايات المتحدة - إسرائيل .. العلاقة العضوية

3- هواجس «الحلفاء العرب» في ميزان المصالح

4- الشرق الأوسط : هيكل جديد

5- السلاح .. «بزنس» الحرب والسلام

 

1 - إلتزامات واشنطن الأمنية بين حقبتين

[ يعتبر المؤرخون تاريخ إنهيار الاتحاد السوڤييتي  حدثاً فاصلاً بين حقبتين، باعتباره أنهى «الحرب الباردة»، مع أن جميع المؤشرات تقول إن هذا الحدث الكبير الذي أنهى «حقبة القطبين»، لم ينه مظاهر هذه الحرب في سياسات الولايات المتحدة وتحالفاتها السياسية والأمنية، لأنها منذ انهيار خصمها الأساسي، تعاملت مع القوى العالمية الصاعدة كمنافس مرشح لأن يصبح عدواً لدوداً في حال فشلت في احتوائه.

ومع ذلك، يمكن القول إن تبدلات وقعت في مستوى تحالفات الولايات المتحدة ما بين الحقبتين من ناحية مستوى الالتزام الأمني الذي تقدمه في تحالفاتها الجديدة، والذي انخفض عما كان الأمر عليه في ظل وجود الإتحاد السوڤييتي على رأس منظومة الدول الإشتراكية و«حلف وارسو»:]    

1/1- إلتزام أميركي صارم خلال «الحرب الباردة»

ظهر بنتيجة الحرب العالمية الثانية قطبان عالميان على رأس معسكرين متقابلين؛ الإتحاد السوڤييتي والولايات المتحدة، التي كانت أقل الأطراف تضررا كونها - على الأقل - الوحيدة التي لم تكن أراضيها مسرحاً لهذه الحرب. وكان لديها القدرة الإقتصادية، وقبل ذلك المصلحة، كي تطلق «خطة مارشال» لإعادة إعمار أوروبا. وقد شكلت هذه الخطة بوابة الولايات المتحدة للدخول كطرف معني في ملفات القارة العجوز الاستراتيجية وفي مقدمها قضية الأمن، تحت شعار مواجهة تمدد «الخطر السوڤييتي». فكان تأسيس «حلف شمال الأطلسي»، الذي احتلت واشنطن فيه موقعاً قيادياً.

وفي محاولة لإحكام الطوق الأمني حول الإتحاد السوڤييتي، رسَّمت الولايات المتحدة وجودها العسكري في شمال شرق آسيا من خلال معاهدتين دفاعيتين مع كل من اليابان وكوريا الجنوبية. وعلى الرغم من أن الصين لم تكن في مقدمة إستهدافات واشنطن في تلك الفترة، لكنها أبرمت معاهدة «أنزوس»- ANZUS مع أستراليا ونيوزلندا. وعلى امتداد حقبة «الحرب الباردة»- 1947/1991، شكلت المعاهدات الأربع المذكورة أقوى التحالفات الأمنية التي عقدتها الولايات المتحدة من حيث صرامة الإلتزامات المتبادلة:

1- معاهدة حلف شمال الأطلسي – ناتو/ NATO

تعود فكرة إنشاء الحلف إلى عام 1947، عندما أبرمت بريطانيا وفرنسا «معاهدة دونكيرك»، لمواجهة أي هجوم محتمل من ألمانيا أو الإتحاد السوڤييتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتوسعت المعاهدة بانضمام بلجيكا وهولندا ولكسمبورغ - 1948، وحمل هذا الإطار اسم «منظمة معاهدة بروكسل»- BTO. ثم جرت مباحثات أوسع شارك بها إلى جانب دول معاهدة بروكسل كل من الولايات المتحدة وكندا والبرتغال وإيطاليا والنرويج والدنمارك وإيسلندا. وقد توجت المباحثات بتوقيع الدول الـ12 معاهدة حلف شمال الأطلسي في واشنطن- 4/4/1949. ويضم الحلف حالياً 32 دولة.

تقوم المادة الخامسة من المعاهدة على مبدأ «الردع»- Deterrence، وجاء نصها على النحو الآتي:

«تتفق الأطراف على اعتبار الهجوم المسلح ضد واحد أو أكثر منهم في أوروبا أو أمريكا الشمالية بمثابة هجوم ضدهم جميعاً، وبالتالي يتفقون على أنه في حال حدوث مثل هذا الهجوم المسلح، فإن لكل واحد منهم الحق في ممارسة رده الفردي أو الجماعي في الدفاع عن النفس المعترف به بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، سيساعد الطرف أو الأطراف التي تعرضت للهجوم على هذا النحو باتخاذ الإجراءات التي تراها ضرورية على الفور، منفردة وبالتنسيق مع الأطراف الأخرى، بما في ذلك إستخدام القوة المسلحة لاستعادة أمن منطقة شمال الأطلسي والحفاظ عليه.

 ويجب إبلاغ مجلس الأمن فوراً بأي هجوم مسلح من هذا القبيل، وبجميع التدابير المتخذة نتيجة له. وتنتهي هذه التدابير عندما يتخذ مجلس الأمن الإجراءات اللازمة لاستعادة السلام الدولي والحفاظ عليه». [الموقع الرسمي لحلف شمال الأطلسي، بالإنكليزية].

بحسب نصها، يتم تفعيل المادة الخامسة للرد على هجوم تتعرض له أراضي أطراف الحلف في أوروبا وأميركا الشمالية حصراً ، ولا ينطبق على المناطق التي تقع تحت سيطرتها في مكان آخر. واللافت (مثلاً)، أن تفعيل المادة الخامسة لا ينطبق على جزيرة هاواي، وهي الولاية الخمسون للولايات المتحدة، كونها في المحيط الهاديء. ويقول محللون إن الولايات المتحدة قبلت بهذه القاعدة (وربما هي من وضعها)، تجنباً لإمكانية تفعيل المادة الخامسة لصالح الدفاع عن عشرات الجزر والمناطق التي تتبع لإدارة عدد من دول الحلف المنتشرة في بقاع مختلفة من العالم. ووفق هذه القاعدة، يفسر المحللون عدم تدخل الحلف عسكرياً في حرب «الفوكلاند» أو «الملاوين» بين الأرجنتين وبريطانيا- 1982.

لكن، بعد انهيار الإتحاد السوڤييتي، تجاوز الحلف نص المادة الخامسة، ووسع عملياته العسكرية وفق «مفهوم استراتيجي» جديد إعتمده في العام 1999، جاء فيه: «يجب على الحلف أن يضع في اعتباره الإطار الكوني، إذ يمكن أن تتأثر المصالح الأمنية للحلف ودوله بسبب مخاطر تتجاوز مجرد العدوان علي أراضي أحد أعضائه». ثم اعتمد في العام 2010، «مفهوماً استراتيجياً»، أكثر وضوحاً ورد في أحد بنوده: «إن الأزمات والصراعات التي تدور خارج أراضي الناتو قد تهدد مصالحه بشكل مباشر، وبالتالي يتعين على الناتو التدخل حيثما أمكنه وحينما اقتضت الحاجة ذلك».

ومن خلال تطبيق هذين المفهومين، خرج الحلف من وظيفة «الردع الدفاعي»-  Defensive Deterrence، التي أعطاها لنفسه عبر نص المادة الخامسة، وتحول إلى مايسمى «الردع الإستباقي»- Preemptive Deterrence، ذي الطابع الهجومي التدخلي، وليس الوقائي – Preventive فحسب، وذلك وفق المصالح السياسية لأعضائه وفي المقدمة الولايات المتحدة، وهو ما حصل - نموذجاً - في يوغسلافيا- 1999. [د. أشرف محمد كشك: «حلف الناتو: من الشراكة الجديدة إلى التدخل في الأزمات العربية»، مجلة السياسة الدولية - 22/8/2011].

تم تفعيل المادة الخامسة للمرة الأولى، بطلب من الولايات المتحدة عقب تفجيرات نيويورك وواشنطن- 11/9/2001. وعلى الرغم من أن حلف الناتو بقيادة واشنطن يمتلك قدرات عسكرية هائلة، إلا أن واشنطن أصرت على توسيع جهة الرد على ما وقع في أراضيها عبر تشكيل «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب». وكان الهدف من وراء ذلك، إستغلال ما حدث من أجل تأمين أوسع إصطفاف دولي خلف أولويات الولايات المتحدة واستهدافاتها، تحت شعار إستفزازي رفعه الرئيس الأميركي حينذاك، جورج بوش الابن، قال فيه: «من ليس معنا، فهو ضدنا».

للحلف 3 ميزانيات رئيسية ذات تمويل مشترك: الميزانية المدنية (تمويل المقر الرئيسي للحلف) + الميزانية العسكرية (تمويل هيكل القيادة) + برنامج الاستثمار الأمني (تمويل البنية التحتية والقدرات العسكرية). وقد أعلن الحلف- 11/2023، رفع ميزانيته العسكرية لعام 2024 بنسبة 12% لتصل إلى 2,03 مليار يورو، كما رفع ميزانيته المدنية بنسبة 18,2% لتصل إلى 438,1 مليون يورو. وفي 2014، أعلن وزراء دفاع «الناتو» إلتزامهم بتخصيص ما لا يقل عن 2% من ناتج بلادهم المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي بحلول عام 2024.

يذكر أن مجموع الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء، غير الولايات المتحدة، قياساً، يكاد يكون مساويا للناتج المحلي للولايات المتحدة، التي ساهمت بـ22,14% من نفقات الحلف (3,45% من ناتجها المحلي) - 2019 ، وهو الأمر الذي أثار حنق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وطالب برفع نسبة مساهمة أطراف الحلف إلى 4% من ناتجها المحلي. [«الناتو.. أرقام الميزانية ومعضلة مساهمات الأعضاء»، قناة «الحرة» - 11/2/2024]

2- معاهدة «التعاون والأمن المتبادل» مع اليابان

وُقعت في العام 1951، وجرى تعديلها جوهرياً في 19/1/1960، بإضافة إلتزام أميركي قوي في حالة وقوع هجوم ضد الأراضي الخاضعة لليابان، وكانت في نسختها الأولى تعطي للولايات المتحدة الحق بالتدخل في الشؤون الداخلية في اليابان، بما في ذلك قمع المظاهرات المعارضة للوجود الأميركي هناك. وتقول المادة الخامسة من المعاهدة المعدلة: «يعتبر كل طرف أن الهجوم المسلح ضد أي من الطرفين في الأراضي الخاضعة لإدارة اليابان سيكون خطيراً على سلامته، ويعلن أنه سيعمل على مواجهة الخطر المشترك وفقاً لأحكامه وعملياته الدستورية. ويجب إبلاغ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فوراً بأي هجوم مسلح من هذا القبيل، وبجميع التدابير المتخذة نتيجة له، وفقاً لأحكام المادة 51 من الميثاق. وتنتهي هذه التدابير عندما يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لاستعادة السلم والأمن الدوليين والحفاظ عليهما».

• وحول القوات الأميركية المتواجدة أساساً على الأراضي اليابانية منذ العام 1945، جاء في نص المادة السادسة: «لغرض المساهمة في أمن اليابان والحفاظ على السلام والأمن الدوليين في الشرق الأقصى، مُنحت الولايات المتحدة الأميركية حق استخدام قواتها البرية والجوية والبحرية للمنشآت والمناطق في اليابان. ويخضع إستخدام هذه المرافق والمناطق، وكذلك وضع القوات المسلحة للولايات المتحدة في اليابان لاتفاقية منفصلة..». [ الموقع الالكتروني لوزارة الخارجية اليابانية/بالإنكليزية].

تضم اليابان 120 قاعدة عسكرية أميركية ينتشر فيها نحو 50 ألف عسكري. وتدفع طوكيو مقابل ذلك ما يشار إليه في اليابان باسم «أوموياري يوسان» (الميزانية المعتبرة). وذكرت هيئة الإذاعة اليابانية العامة  - 1/2022، أن «إنفاق اليابان على القوات الأميركية خلال السنوات الخمس المقبلة (حتى 2027) يقدر بـ 1,055 تريليون ين (نحو 9,1 مليار$)، مما يعني زيادة سنوية تبلغ حوالي 88 مليون$، قياساً بالسنوات الخمس السابقة». [«اليابان توقع إتفاقية بـ9,1 مليار دولار لاستضافة القوات الأميركية»، وكالة «الأناضول» - 7/1/2022]

3- معاهدة «الدفاع المشترك» مع كوريا الجنوبية

  تم توقيعها في 1/10/1953، بعد نحو شهرين من إنتهاء الحرب الكورية - 25/6/1950 حتى 27/7/1953. وتقول مادتها الثالثة: «يعتبر كل طرف أن شن هجوم مسلح في منطقة المحيط الهاديء على أي من الطرفين الموجودين في الأراضي الخاضعة له الآن، وضمن السيطرة الإدارية الخاصة بكل منهما - أو المعترف بها فيما بعد من قبل أحد الطرفين على النحو القانوني، سيكون خطيراً على سلامته، ويعلن أنه سيتصرف لمواجهة الخطر المشترك وفق إجراءاته الدستورية».

واللافت أن ترسيم الوجود العسكري الأميركي يتم بطلب من كوريا الجنوبية بحسب المادة الرابعة التي تقول: «تمنح جمهورية كوريا، وتقبل الولايات المتحدة الأميركية، حق القوات البرية والجوية والبحرية  الأميركية في الانتشار داخل أراضي جمهورية كوريا وما حولها، على النحو الذي يحدده الاتفاق المتبادل». [الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية الأميركية].

يتواجد في كوريا الجنوبية 28.500 عسكري أميركي يتوزعون على 78 قاعدة. وتحدد إتفاقات ملحقة بالمعاهدة توزيع نفقات التواجد العسكري الأميركي بين الطرفين. وبحسب الإتفاق الذي انتهى بحلول 2019، كانت كوريا الجنوبية تساهم بمبلغ 920 مليون$ سنوياً. وقد نشأت بين الطرفين مشكلة عندما طالب الرئيس دونالد ترامب كوريا الجنوبية رفع مساهمتها إلى 5 مليارات$، لكن إدارة بايدن خفضت المبلغ إلى مليار واحد - 2021. [«سول تعلن التوصل لاتفاق مع واشنطن بشأن مساهمتها المالية في نفقات الوجود العسكري الأميركي»، قناة «فرانس 24»- 8/3/2021]

4- معاهدة «أنزوس» ANZUS، أو معاهدة الباسيفيك

تحمل المعاهدة الأحرف الأولى لأسماء الدول التي وقعت عليها في 1/9/1951: أوستراليا–A ، نيوزيلندا– NZ والولايات المتحدة- US، ودخلت حيّز العمل في 29/4/1952، وكان الهدف منها بداية الحماية من إحتمال تجدد العدوانية اليابانية في الشرق الأقصى.

إستكملت هذه المعاهدة بالمعاهدة الدفاعية بين الفيليبين والولايات المتحدة التي دخلت في نفس الوقت حيّز التطبيق العملي، وتم توسيعها عام 1955 بمعاهدة جنوب شرق آسيا بمشاركة فرنسا، بريطانيا، الباكستان، الفيليبين وتايلند بمقرها في بانكوك، عاصمة الدولة الأخيرة.

في 17/9/1986 رفعت واشنطن إلتزاماتها من الميثاق حيال نيوزيلندا في ضوء قرار الأخيرة برفض إستقبال السفن الحاملة للسلاح النووي، أو حتى ذات الدفع النووي، بما فيه تلك التابعة للولايات المتحدة. وفي العام 1988 قررت واشنطن وكانبيرا – Canberra، الإبقاء على تسمية أنزوس على المعاهدة، حتى بعد خروج ولنغتون- Wellington منها.

تتناول معاهدة أنزوس الإلتزامات المتبادلة بين أطرافها عبر المادة الرابعة التي تقول: «يدرك كل طرف أن أي هجوم مسلح في منطقة المحيط الهاديء على أي من الأطراف سيشكل خطراً على سلامته ويعلن أنه سيتحرك لمواجهة الخطر المشترك وفقاً لعملياته الدستورية..»، وتكمل المادة الخامسة تفصيلاً «ولأغراض المادة الرابعة، يعتبر الهجوم المسلح على أي من الأطراف متضمناً هجوماً مسلحاً على الأراضي الحضرية لأي من الأطراف، أو على الجزر الخاضعة لولايتها في المحيط الهاديء أو على قواتها المسلحة أو قواتها المسلحة العامة، أو السفن أو الطائرات في المحيط الهاديء».

ويخلص المؤرخ الأسترالي كورال بيل حول المعاهدة إلى أن «90٪ منها غطاء أمني يقي أستراليا من تجدد الطموحات اليابانية في منطقة المحيط الهاديء، و10٪ منها يُعتبَر كبوليصة تأمين للوقاية من الميول التوسعية الصينية مستقبلًا»، ويضيف «ستظل آسيا دوماً بقعة خطرة بالنسبة إلى أستراليا من دون التدخل الاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية».[«معاهدة أنزوس» ص 110-111، من كتاب «الديبلوماسية» تأليف جوزيف إم  سيراكوسا، ترجمة: كوثر محمود محمد، مؤسسة هنداوي للنشر- لندن- 2014].

يُلحظ بالمقارنة ما بين المادة الخامسة للناتو وبين كل من المواد الخامسة والثالثة والرابعة في المعاهدات الموقعة مع اليابان وكوريا وأستراليا ونيوزلندا، أن الثلاث الأخيرة أقل قوة من حيث صرامة الإلتزام المتبادل، حيث تعتبر معاهدة الناتو أي اعتداء على طرف من المعاهدة بمثابة عدوان على جميع الأطراف، في حين تعتبر باقي المعاهدات ذلك خطراً على سلامة الطرف الآخر. وهذا يعني أن الرد سيكون وفقاً لتقدير الطرف غير المعتدى عليه لمستوى الخطر الذي يهدده جراء الهجوم

1/2- الحلفاء في الصف الأمامي من المواجهة

بدا لإدارة جورج بوش الأب – 1989/1993، أن انهيار القطب السوڤييتي  وضع بيد الولايات المتحدة وحدها مفاتيح الحرب والسلام في العالم. وصار ترتيب الأوضاع الإقليمية، ومنها الشرق الأوسط، بما يتلائم مع الوضع الجديد هدفاً أميركياً مركزياً لا يقبل التأجيل. وفي سياق سعيها لتغيير نمط التوازنات العالمية، قامت الولايات المتحدة بدور «الموازن الرئيسي في كل منطقة مهمة وحيوية، عبر تشكيل حزام من التحالفات الأمنية تحت قيادتها، بهدف إحتواء أية قوى منافسة في النظام الدولي». لكن لعب دور «الموازن الرئيسي» أدى إلى «تحميل واشنطن نفقات والتزامات أمنية وعسكرية، شكلت عبئاً على الاقتصاد الأميركي، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على الوفاء بجميع إلتزاماتها إتجاه حلفائها، ما أدى بها لاتباع استراتيجية «التوازن من الخارج»-«Offshore Balancing»، ويصنف المحللون جانباً كبيراً من سياسات الرئيس السابق دونالد ترامب في إطار هذه الاستراتيجية، التي تتقاطع مع الاستراتيجيات الأخرى في مبدأ الحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة، لكنها تضع القوى الحليفة أمام مسؤوليات أكبر في تحمِّل أعباء المواجهة مع الخصوم، وتبقي تدخلها المباشر رهناً بالضرورة، التي، بحسب هذه الاستراتيجية - تنشأ عند التهديد الجدي لمصالح الولايات المتحدة في ثلاث مناطق من العالم: أوروبا وشمال شرق آسيا، كمركزين عالميين أساسيين للإنتاج الصناعي، والخليج العربي الذي ينتج 30% من النفط في العالم. [(داخل الأقواس): أمينة حلال/«الاستراتيجية الأمنية الأميركية: المفهوم والتيارات الفكرية»/ المعهد المصري للدراسات - 16/9/2022].

وغير بعيد عن هذه الاستراتيجية، نشطت إدارة بايدن في تدعيم التحالفات الأميركية القائمة وتوسيعها، وأنشأت تحالفات جديدة في مواجهة مربع خصوم الولايات المتحدة الحاليين: الصين، روسيا، إيران، كوريا الشمالية. وفي هذا السياق عملت على:

 1- تشكيل تحالف «أوكوس» Aukus- 2021، ويضم بالإضافة إلى الولايات المتحدة كلاً من بريطانيا وأستراليا. وتعتبر اليابان، نيوزيلندا وكوريا الجنوبية، أطرافًا مرشحة لتوسيع هذا التحالف. وتشمل مشاريع الحلف تطوير غواصات مسيّرة تعمل بالوقود النووي وصواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، إضافة إلى وسائل الحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي.

2- توسيع مظلة «الحوار الرباعي للحوار الأمني»/«Qudrilateral Security Dialogue»- «كواد» /Quad، الذي يعود تأسيسه إلى العام 2007، ويضم مع الولايات المتحدة كلًا من الهند واليابان وأستراليا، والذي اعتبرته الصين بمثابة حلف ناتو جديد في المنطقة.

«كواد» ليس حلفاً أو تحالفاً بالمعنى الصارم للمصطلح، بل هو أشبه ما يكون بإطار تعاون إستراتيجي، يجري التنسيق من خلاله بين مختلف الأساطيل العسكرية من خلال مناورات مشتركة على غرار مناورات ماليبار التي تشارك فيها البحرية الهندية مع نظيراتها في دول «كواد» بغرض ضمان حرية الملاحة عبر الممرات البحرية، وإبقائها سالكة بين المحيط الهندي والهاديء مروراً ببحر الصين الجنوبي، ما يعني بشكل رئيسي - ومن بين أمور أخرى - إحتواء نفوذ الصين. وفي إشارة إلى طموح توسيع الدور الإستراتيجي لـ «كواد» ومسرح عملياته، ثمة كلام عن إنضمام نيوزيلندا + ڤيتنام + كوريا الجنوبية إليه، الأمر الذي يؤكد وجاهة توجس الصين من هذا الإطار، من زاوية وظيفته الإستراتيجية الموجهة ضدها.

 3- تعزيز مستوى التعاون المعلوماتي والاستخباراتي في إطار تحالف «العيون الخمس»- Five Eyes، وهو تحالف تجسسي شعاره: «No place to hide»، يعود تأسيسه إلى العام 1946، ويضم كندا، وبريطانيا، ونيوزيلندا، والولايات المتحدة، وأستراليا، والذي تحتسب عليه أيضاً الدانمارك بحكم الأمر

الواقع - Defacto

4- تفعيل تحالفات واشنطن القديمة، والتدخل لحل المشاكل بين أطرافها، كما حصل في القمة الثلاثية التي عقدت بين الولايات والمتحدة واليابان وكوريا الجنوبية بدعوة من واشنطن- 8/2023 .

5- مواصلة ما بدأته إدارة ترامب بشأن «إتفاقات أبراهام» في الشرق أوسط، وقد قامت بإنشاء الأطر الاقليمية (منها منتدى النقب) ذات الصلة بتطبيق مشروع «السلام الإقليمي» كما حددته «صفقة القرن»

 

(2) الولايات المتحدة - إسرائيل .. العلاقة العضوية

أيدت الولايات المتحدة «وعد بلفور» قبل صدوره رسمياً- 2/11/1917، وكانت أول دولة تعترف بدولة إسرائيل فور صدور الإعلان عن قيامها- 14/5/1948. وتتلقى إسرائيل الحصة الأكبر عالمياً من المساعدات الأمنية الأميركية - 55%، بموجب البند 22 من برنامج «التمويل العسكري الأجنبي» - FMF، وتشكل هذه المساعدات 18% من الميزانية الأمنية الإسرائيلية. وتحصل إسرائيل حالياً على مساعدات عسكرية أميركية سنوية بقيمة 3 مليارات و800 مليون دولار، تطبيقاً لمذكرة تفاهم وقعت بين الطرفين- 14/9/2016، وتمتد لـ 10 سنوات. وتقدر قيمة المساعدات العسكرية التي تلقتها إسرائيل من واشنطن حتى الآن بأكثر من 130 مليار$. وقد أقر الكونغرس قانوناً يعتبر فيه إسرائيل حليفاً رئيساً للولايات المتحدة من خارج حلف الناتو. 

وقع الجانبان 43 إتفاقاً و تفاهماً أمنياً أولها «إتفاق الدعم اللوجستي الثنائي»- 23/7/1952، في فترة كانت فيها المنطقة العربية تشهد تغيرات جوهرية في منظومات الحكم القائمة (ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، ثورة  14 تموز 1958 في العراق). وتتوزع الإتفاقات ما بين إجراءات الدعم المتبادل والمناورات العسكرية، والتخطيط الأمني، والتعاون الإستخباري، وأبحاث تطوير الأسلحة، واستعمال القوات الأميركية للقواعد العسكرية الإسرائيلية، ورفع القيود عن بيع إسرائيل إنتاجها العسكري لعدد من الدول الأفريقية. وإلى جانب هذه الإتفاقات وُقعت سلسلة من التفاهمات شملت صفقات متعددة من الأسلحة الأميركية المتطورة في سياق إلتزام الولايات المتحدة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل. [مرفق في الملحق جدول بالإتفاقات الأمنية الثنائية – 1952/2021].

أقر الكونغرس بالإجماع- 3/12/2014، مشروع قانون يعتبر إسرائيل «شريكاً إستراتيجياً كبيراً للولايات المتحدة»، ويعزز القانون العلاقات بين البلدين في مجالات الدفاع والأمن والطاقة والأبحاث والتنمية والأعمال والزراعة وإدارة الثروة المائية والتعليم. ويطالب الكونغرس، في نص القانون، الإدارة الأميركية بأن «تتبادل مع إسرائيل بصورة أكثر إنتظاماً وأكثر تحديداً المعلومات المتعلقة بالتطورات العسكرية في الدول المحيطة». وتتم، بحسب القانون، «زيادة مخزون الأسلحة الأميركية في إسرائيل بمقدار 9 أضعاف»، أي من ما قيمته 200 مليون إلى 1,8 مليار$. ويسمح لإسرائيل بموجب إتفاقات سابقة إستخدام هذا المخزون على أن تسدد ثمنه. يذكر أن إسرائيل قد استخدمت مخزون السلاح الأميركي لديها في عدوانها على قطاع غزة - صيف 2014

 • سؤال التحالف الدفاعي مع واشنطن!

يلفت الإنتباه أنه وعلى الرغم من العلاقة القوية ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن الطرفين لا يرتبطان حتى اليوم بمعاهدة أمنية بمستوى «التحالف الدفاعي». وقد دارت في إسرائيل منذ خمسينيات ق 20 نقاشات على المستويين السياسي والأمني حول جدوى وضرورة عقد تحالف دفاعي مع الولايات المتحدة، وكان بن غوريون من أبرز مؤيدي عقد هذا الحلف بهدف تعزيز قدرة الإدارة الصهيونية على توطيد أركان الدولة العبرية الناشئة. وقد تجدد نقاش هذا الموضوع خلال ولايات حكومات كل من إسحق رابين- 1992/1995، وشمعون بيريس- 1995/1996، وإيهود باراك- 1999/2001، وكان الدافع وراء جولات النقاش الثلاث المذكورة، بحسب «معهد بحوث الأمن القومي» الإسرائيلي: «تعويض إسرائيل عن التنازلات المشمولة في الإتفاقات مع الفلسطينيين، وتخفيف تأثير هذه التنازلات على الرأي العام في إسرائيل». كما طرح بنيامين نتنياهو هذه الفكرة في حملة إنتخابات الكنيست الـ22- 9/2019. والواضح هنا أن طرح نتنياهو جاء بتأثير وجود دونالد ترامب على رأس الإدارة الجمهورية في البيت الأبيض، والذي تماهى مع مواقف نتنياهو عبر خطة «صفقة العصر»، على صعيدي حل الصراع العربي/ الفلسطيني - الإسرائيلي، والموقف تجاه الملف النووي الإيراني.

تجدد النقاش الإسرائيلي حول الحلف دفاعي مع واشنطن مع الطموح السعودي لعقد إتفاق دفاع مشترك مع الولايات المتحدة يتجاوز صيغ الإتفاقات الأميركية المبرمة مع باقي الدول العربية المنخرطة في «إتفاقات أبراهام». وقد عرض «معهد بحوث الأمن القومي» في إسرائيل لهذا الموضوع في تقرير له- 3/10/2023، بيًّن فيه حيثيات وجهتي النظر المؤيدة والمعارضة على النحو الآتي:

• يرى المؤيدون أن عقد التحالف «سيكون التعبير المثالي عن العلاقات الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة، وسيضعها رسمياً كجزء من السياسة القومية في الدولتين، وسيعزز العلاقات على المدى البعيد. كما يعزز قوة الردع الإسرائيلية أمام أعدائها، ويرسخ في وعيهم الإلتزام الأميركي بعيد المدى بأمن إسرائيل، التي يمكن أن تحتاج إلى الدعم الأميركي إذا أصبحت إيران دولة نووية، لا سيما إذا تشكل شرق أوسط فيه الكثير من اللاعبين النوويين».

• ويقول المعارضون إن «العلاقة الخاصة»، التي تربط الطرفين تقوم بالأساس على التزام أميركي قوي وعميق بأمن إسرائيل وضمان تفوقها العسكري النوعي في مواجهة دول المنطقة، وأن التجربة أثبتت إيفاء واشنطن بهذا الإلتزام من غير توقيع إتفاق من هذا النوع، كما حصل في حرب 1973، على سبيل المثال. ويتحسب أصحاب هذا الرأي من أن إسرائيل في حال توقيع حلف دفاعي مع واشنطن «ستفقد حرية عملها، وستحتاج الى التبادلية، أي المساعدة في الدفاع عن الولايات المتحدة في أرجاء العالم وتأييد سياستها الدولية». ويمكن الإشارة هنا إلى تزايد تأييد هذا الرأي في الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية في ظل الخلاف الإسرائيلي - الأميركي حول الملف النووي الإيراني. [«نحو إتفاق دفاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل» - صحيفة «الأيام» الفلسطينية، رام الله، نقلاً عن موقع «معهد بحوث الأمن القومي» في إسرائيل- 4/10/2023].

تحت مجهر «الطوفان»

صدر تقرير معهد بحوث الأمن الأمني في إسرائيل، سابق الذكر، قبل 4 أيام فقط من الإختراق الكبير الذي أحدثه «طوفان الأقصى»- 7/10/2023، وورد في التقرير تقييم أمني يقول« إسرائيل ليست بحاجة إلى حلف دفاع مع الولايات المتحدة لمواجهة تهديدات مثل «الإرهاب»! على يد حزب الله وحماس. والولايات المتحدة لا ترغب - من ناحيتها - في أن تأخذ على عاتقها الإلتزام بمواجهتهما». بمعنى أن إسرائيل، بما تمتلك من قوة عسكرية واستخبارية، قادرة على التعامل بنجاح مع التهديدات التي تمثلها المقاومتين الفلسطينية واللبنانية.

كشف «الطوفان» خطأ هذا التقدير المشبع بنزعة الغطرسة والمسترخي لادعاء «المنعة الأمنية» الذي تروج له المؤسسة العسكرية. ومنذ اليوم الأول للطوفان، إنهار إدعاء المنعة، وتحول «القلق الوجودي» المتأصل في المجتمع الإسرائيلي إلى هلع هستيري. وتبين لقادة دولة الاحتلال، قبل سواهم، أن إسرائيل المعتدة بتفوقها على جميع خصومها في المنطقة تحتاج إلى النجدة في المواجهة العسكرية مع المقاومة الفلسطينية في غزة.

تولت واشنطن إدارة وتذخير وتمويل حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وهب معها معظم دول حلف الناتو واضعين ترساناتهم العسكرية ونفوذهم السياسي في خدمة هذه الحرب. وبقدر ما أكد تدخل الولايات المتحدة المباشر والفوري عمق العلاقة العضوية بين تل أبيب وواشنطن، بقدر ما أكد في الوقت نفسه فشل الاستثمار الأميركي الأمني في إسرائيل، التي تحصل من واشنطن على 3 مليارات و800 مليون $ مساعدات عسكرية سنوياً. ومن الطبيعي أن يكون لهذا الفشل إرتدادات سياسية قوية داخل الولايات المتحدة ولدى حلفائها على المديين المتوسط والبعيد

 

(3) هواجس «الحلفاء العرب» في ميزان المصالح

[ تقع المنطقة العربية ضمن إستهدافات الاستراتيجية الأميركية من خلال 3 ملفات: الطاقة + مواجهة النفوذ السوڤييتي  ولاحقاً التمدد الصيني والدور الإيراني + الصراع العربي والفلسطيني - الإسرائيلي. وتلقي واشنطن على عاتقها مهمة «حماية منابع النفط والغاز» في الخليج حتى من أصحابها، وهو ما برز في إعلان «مبدأ كارتر»- 23/1/1980، عقب التدخل السوڤييتي  في أفغانستان- 25/9/1979، وانتصار الثورة الإسلامية في إيران- 11/2/1979. وقد بدأ البحث فعلياً في هذا المبدأ منذ أن أوقفت دول عربية تصدير النفط عقب إندلاع حرب تشرين - 1973، مع أن هذا الوقف لم يستمر طويلاً ولم يكن شاملاً:]

إنتشار عسكري على نفقة المضيف

تتواجد في المنطقة العربية قواعد عسكرية أميركية تضم حالياً نحو 30 ألف من جنودها- 2024، موزعة بشكل رئيسي على دول مجلس التعاون الخليجي والعراق والأردن وسوريا وفي عدد من الدول العربية شمال إفريقيا. وتضم قطر، مقرات 3 قيادات أمامية مركزية أميركية، للقوات البرية والجوية والعمليات الخاصة. ويقع في البحرين مقر القيادة المركزية لقوات البحرية الأميركية وقيادة الأسطول البحري الخامس، فيما يتمركز في الكويت «التحالف الدولي» الذي شكلته الولايات المتحدة ضد «داعش»، المعروف رسميا بإسم «فرقة العمل المشتركة لعملية العزم الصلب».[«الشرق الأوسط وبرميل البارود(3).. القواعد الأميركية»، قناة «RT arabic» - 18/4/2024].

وعلى الرغم من التكتم على حجم مساهمة «الحلفاء العرب» في تغطية نفقات التواجد العسكري الأميركي، إلا أن السجال الذي خلقته تصريحات الرئيس ترامب في هذا الشأن نبش عبر وسائل الإعلام بعض المعطيات التي أكدت أن «حصة كبيرة من تكاليف القواعد العسكرية داخل دول مثل الكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر مغطاة من قبل الحكومات المضيفة»، وأن« قطر إلتزمت بالمشاركة في إنفاق 1,8 مليار$ على قاعدة العيديد بموجب إتفاقية مع الولايات المتحدة في عام 2018»، كما أشارت محطة CNN- 17/1/2020، إلى أن السعودية دفعت نحو 500 مليون دولار، كدفعة أولى لتغطية تكاليف القوات الأميركية العاملة في البلاد. [«أمريكا تخلي قواعدها في الخليج بعد عام 2030: الفرضية والتبعات»، مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والاستراتيجية /تقدير موقف- 22/3/2022].

إتفاقات لا تطفيء الهواجس

تصنف الولايات المتحدة 19 دولة في العالم كحليف رئيسي لها من خارج حلف «الناتو»، من بينها 7 دول عربية: مصر والأردن والمغرب وتونس والكويت والبحرين وقطر. وكانت مصر من بين الدفعة الأولى- 1987، التي شملها هذا التصنيف، مع إسرائيل وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. وترتبط واشنطن باتفاقات أمنية مع معظم الدول العربية، أُبرم أغلبها في سياق تفاهمات أوسع تقوم على الشراكة السياسية والإقتصادية؛ ويلاحظ في الجانب الأمني من تلك الإتفاقات أنه يفتقد إلى النص على إلتزام أميركي قوي في الدفاع عن «الحليف العربي» في حال تعرضه لاعتداء خارجي، وهو التزام توقفت واشنطن عن تقديمه في اتفاقاتها الثنائية منذ توقيع المعاهدة الأمنية المعدلة مع اليابان، باستثناء إتفاقات توسيع حلف الناتو، واكتفت بمنح الأطراف الأخرى ضمانات مقيدة في أي إتفاق أمني يبرم معها.

يقرأ محللون في مستوى إلتزامات واشنطن الأمنية المنصوص عليها في اتفاقاتها المبرمة مع «الحلفاء العرب» بأنها مسقوفة بمقتضيات التعاون بين الطرفين، والتي يأتي في مقدمتها التسليح والتدريب وتبادل المعلومات. وعلى الرغم من أن هذه الإتفاقات والتفاهمات - في حالة السعودية مثلاً - تؤكد على «المصلحة المشتركة في أمن الخليج وردع أي قوة أجنبية أو إقليمية من تهديد المنطقة»، إلا أنها لا تحدد الخطوة الأميركية التالية في حال تعرض الطرف الحليف لهجوم مباشر. ويشير المحللون إلى أن ما يقرر وقوع هذه الخطوة وحجمها هو درجة الخطر الذي تقرأه الولايات المتحدة على مصالحها من وراء هذا الهجوم. ويوضح المحللون، أن استنفار الولايات المتحدة - مثلاً - على رأس تحالف دولي - إقليمي لإخراج الجيش العراقي من الكويت لم يكن تفعيلاً لاتفاق أمني ينص على هذا الالتزام، بل لأنها قرأت في ما وقع إختراقاً لمجالها الاستراتيجي الحيوي في الخليج.

ويلفت المحللون الإنتباه إلى أن الإتفاقات الأميركية التي أسست للعلاقات والتفاهمات الأمنية مع حلفائها العرب أُبرمت في مرحلة كانت فيها الدول العربية بما فيها «الحليفة» تُظهر إلتزامها الرسمي بمحددات العمل العربي المشترك الذي تأسس على تصنيف إسرائيل «عدواً محتلاً»، وهذا يعني أنه من غير المتوقع أن تبرم الولايات المتحدة إتفاقاً مع أي طرف عربي يتضمن إلتزاماً صارماً بالدفاع عنه، في وقت  كانت فيه إسرائيل مهاجماً محتملاً .. وبقوة

 

(4) الشرق الأوسط .. هيكل جديد

منذ حرب الخليج الثانية- 1990/1991، سعت الولايات المتحدة إلى تأطير علاقاتها السياسية مع الدول العربية الحليفة ضمن صيغة جماعية منظمة يتم عبرها بحث شؤون المنطقة خارج مؤسسة الجامعة العربية التي بدأت تعتريها مظاهر الإنقسام. لكن هذه الصيغة لم تتبلور فعلياً إلا خلال ولايتي جورج بوش الإبن - 2001/2009، التي شهدت في جزئها الثاني لقاءات شبه دورية بين وزيرة الخارجية الأميركية في ذلك، الوقت كوندوليزا رايس، مع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي ووزيري خارجية مصر والأردن. وكانت العناوين الأميركية المطروحة في تلك اللقاءات تتمحور حول «الملف الإيراني» والأوضاع في العراق، ودارفور في السودان، ومسألة التسوية السياسية للصراع العربي والفلسطيني - الإسرائيلي.

وكان واضحاً أمام واشنطن أن «العقدة الفلسطينية» هي ما يعيق توحيد دور حليفيها العربي والإسرائيلي في إطار واحد تحت عباءة استراتيجيتها، وهو هدف أساسي من وراء طرح شعار «الشرق الأوسط الجديد» منذ منتصف تسعينيات ق20. وقد بات تحقيق هذا الهدف بالنسبة لواشنطن وتل أبيب أقرب منالاً على أنقاض العمل العربي المشترك، الذي انهار بفعل الصراعات الدموية في عدد من الدول العربية، وعلى أنقاض مشروع التسوية وفق «أوسلو»، بعد نعي مسار المفاوضات الثنائية بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني- 2014. وكان لهذه التطورات دور في جعل عناوين «صفقة القرن» قابلة للتداول لدى الدول العربية «الحليفة».

تنظر الولايات المتحدة إلى «إتفاقات أبراهام» كمدخل لتنفيذ إستراتيجيتها الراهنة تجاه الشرق الأوسط. ووفق مسار هذه الإتفاقات، تعمل واشنطن على إعادة هيكلة الإقليم سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بهدف دمج إسرائيل في المنطقة وإقامة تحالف «عربي - إسرائيلي» في مواجهة إيران. وقد أكد على ذلك «إعلان القدس» الصادر عن إجتماع الرئيس الأميركي جو بايدن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي المناوب يائير لبيد- 14/7/2022.

التعاون الإقليمي.. خطوة عرجاء

تقدم هذا التوجه على الأرض مع إطلاق فكرة منتدى للتعاون الإقليمي يجمع أولياً الأطراف العربية الموقعة على إتفاقات مع إسرائيل، وتكون إجتماعاته سنوية على مستوى وزراء الخارجية. وقد عقد المنتدى إجتماعه الأول في مستوطنة «سديه بوكير» في النقب- 27/3/2022، بمشاركة وزراء خارجية الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر والإمارات والبحرين والمغرب (وغياب الأردن)، وبات يحمل اسم «منتدى النقب للتعاون الإقليمي»، الذي اعتبرته الحكومة الإسرائيلية، في قرار لها- 28/3/2022، بمثابة «إطار تنظيمي إقليمي أعلى، يركز كل مساعي التطبيع بين الدول المنضمة إليه».

  لكن، وعلى الرغم من توافق أطراف المنتدى على وضع إيران في خانة «الأعداء»، إلا أن «الملف الفلسطيني» بقي هو العقدة. ويشير محللون إلى عدم وجود توافق حوله حتى ما بين الأطراف العربية بالمنتدى، في ظل إشتعال الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة على وقع تصاعد التنكيل الصهيوني وتغول إجراءات الاستيطان والضم.

ويعود عدم التوافق حول «الملف الفلسطيني» - برأي المحللين - إلى أن هناك نوعين من «السلام العربي» مع إسرائيل؛ أحدهما «بارد» والآخر «دافيء». والأول قائم بين إسرائيل والدول العربية التي تنظر إلى الملف الفلسطيني بحساسية ترجع إلى عمق القضية الفلسطينية في مجتمعاتها وإلى دورها السابق في الصراع مع إسرائيل، وترجع أيضاً إلى إدراكها أن أية سيناريوهات قسرية تفرض على الفلسطينيين سيكون لها تداعيات سلبية على أمنها القومي، فيما لا يخضع لهذه الإعتبارات الذين خاضوا مع إسرائيل «سلاماً دافئاً». ويعتبر المحللون أن التباين حول الموضوع الفلسطيني هو سبب التأجيل المتكرر لعقد قمة المنتدى الثانية في المغرب، لكنهم يستدركون بأن وجود ملفات أخرى معلقة بين الأطراف العربية المشاركة وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، كان أيضاً من الأسباب القوية لهذا التأجيل.

«ماراثون» الصراع على الممرات- الجغرافيا السياسية للممرات الإقتصادية

من المنظور، في الاستراتيجية الأميركية، أن تلعب الهيكلية الجديدة المفترضة للشرق الأوسط دوراً حيوياً في تأمين خطوط نقل الطاقة والسلع والخدمات، كون الإقليم يقع وسط عقد ممرات مائية استراتيجية وطرق برية حيوية، باتت ميدانياً لصراع دولي محتدم. وتضع الولايات المتحدة في مقدمة أولوياتها مواجهة تمدد بكين التي أطلقت عام 2013 مبادرة «الحزام والطريق»/-BRI«Belt and Road Initiative»، ومحاصرة الدور الروسي بعد انفتاح موسكو على معظم العواصم الحليفة لواشنطن، بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي.

ضمن هذا المسار، تشكلت مجموعة «2U+2I»- 2021، [ تلفظ أي تو، يو تو، كدلالة – من خلال أحرفها الأولى - على أسماء دول المجموعة]، وتضم: إسرائيل-I، الهند-I، الإمارات- U، والولايات المتحدة- U. ومن ضمن نشاطاتها، العمل على إنشاء ممر إقتصادي دولي يربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط، ويتضمن بناء خطوط سكك حديد وأنابيب لنقل الطاقة. ويمتد الممر عبر بحر العرب، من الهند إلى الإمارات، ثم يعبر السعودية والأردن وإسرائيل، وصولاً إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. ويُلاحظ أن إسرائيل تشكل في مشروع الممر «عقدة الوصل» بين الدول الآسيوية التي يمر بها وبين أوروبا. وهذا يعطيها ميزة جيوسياسية بالغة الأهمية، ويمنحها في الوقت نفسه إمكانية الاستفادة القصوى من موقعها هذا لتأمين إحتياجاتها من السلع والبضائع، كما يجعل المصالح التجارية للدول المستفيدة من هذا الممر، ومنها السعودية والإمارات، محكومة بمستوى توافقها مع السياسات الإسرائيلية، بما فيها، ما يخص القضية الفلسطينية.

وإلى جانب مواجهة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية، ومسعى فك شراكة دلهى مع طهران في مشروع «الممر الجنوبي»/الإيراني – الهندي المنفتح بدور على روسيا عبر بحر قزوين، يهدد مشروع «الممر الهندي – الشرق أوسطي الإقتصادي» مصالح دول عربية عدة أبرزها مصر، التي تشكل مداخيلها المالية من قناة السويس جزءاً مهماً من واردات خزينتها، وستتعرض بالتأكيد هذه الإيرادات للتراجع بعد اكتمال مشروع الممر، كما يحد من رهانات العراق على مشروع «طريق التنمية»، الذي يفترض أن يصله بأوروبا عبر تركيا إنطلاقا من شطّ العرب

 

(5) السلاح .. «بزنس» الحرب والسلام

«صفقات السلاح تعني فرص عمل جديدة»، بهذا المعنى خاطب الرئيس ترامب أعضاء الكونغرس في معرض إقناعهم بالتصديق على صفقة الأسلحة مع الإمارات. وفي هذا الإتجاه أيضاً خلُص «مكتب الصناعة والأمن» التابع لوزارة التجارة الأميركية في تقرير له- 7/2020، إلى أن عقود بيع صادرات أسلحة بقيمة 15,5 مليار$ «تساهم في استحداث 127.328 فرصة عمل أو الحفاظ عليها»، أي بمعدّل 8.215 وظيفة لكل مليار$ من الصادرات. وعلى هذا الأساس - مثلاً ، تولِّد الصفقة التي وقعتها الإمارات مع إدارة ترامب- 2020، والبالغة قيمتها 23,4 مليار$، 190 ألف وظيفة.

اللافت - بحسب التقرير، أن العلاقة عكسية بين عدد فرص العمل المنظورة وبين مستوى تطور الأسلحة المطلوبة. بمعنى أن الطلب على أسلحة وتكنولوجيا عسكرية فائقة التطور يولد فرص عمل أقل مما يولده الطلب على الأسلحة والمعدات الأقل تطوراً. والسبب - برأي الخبراء - أن مصانع كثيرة من منتجي الأسلحة متوسطة التطور أو الذخائر والقنابل «البسيطة» تتجه نحو الإغلاق بسبب شح الطلب، ومن الطبيعي في حال طُلبت منتجاتها أن تستعيد هذه المصانع دورة إنتاجها وتفتح مجدداً باب التوظيف.

 ويقول أحد المحللين الاستراتيجيين الأميركيين في هذا الخصوص: «يُعرَف عن دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنها أنقذت خطوط إنتاج من خلال قيامها بشراء أسلحة لم تعد الولايات المتحدة تريدها»، ويتابع موضحاً: «ساعدت المشتريات الكويتية والقطرية من مقاتلتَي «بوينغ» من طراز «إف - 18» و«إف - 15» على استمرار العمل في خطوط تجميع هذه الطائرات في ميسوري. وساهمت المشتريات الإماراتية في إنقاذ مصنع «باتريوت» في مساشوستس».[جوناثان د. كافرلي: «دحض الأساطير المتعلقة بمبيعات الأسلحة والوظائف الأميركية»، مركز مالكوم كير - كارنيغي للشرق الأوسط - 19/7/2021].

يحظّر القانون الأميركي بيع الأسلحة الأميركية «التي قد تقوض التفوق العسكري النوعي لإسرائيل». ويشترط «قانون مراقبة تصدير الأسلحة»، على مشتري هذه الأسلحة إستخدامها لأغراض محددة: «حفظ الأمن الداخلي، الدفاع المشروع عن النفس، المشاركة في التدابير الجماعية التي تطلبها الأمم المتحدة أو المنظمات المماثلة».

 لكن في العام 2020، أعلنت إدارة ترامب أنها ستعيد النظر في هذا القانون بما يسمح بتصدير المزيد من الطائرات الحربية المسيَّرة، بسبب إشتداد المنافسة مع الصين، التي باعت للإمارات والسعودية ومصر طائرات بدون طيار من طراز «وينغ لونغ»، وهو الطراز المنافس بقوة لطائرة «أم كيو- 9» الأميركية.

يستثمر المستوردون مناخ المنافسة الشديدة في السوق العالمية للسلاح في الضغط على الدول المنتجة للحصول على أكثر الأسلحة تطوراً، أو للحصول على مكاسب أمنية؛ فقد ناكفت الإمارات إدارة بيل كلينتون- 1993/2001، حول صفقة طائرات «ف-16»- 1998، وطالبت حينها أن يتم تطويرها بمستوى «أف-16 بلوك 60» التي أنتجت بعد توقيع الصفقة. وعندما تمنعت الإدارة الأميركية، أعلنت الإمارات عن شراء 30 طائرة فرنسية من طراز «ميراج 9-2000». وحذرت من أنها ستشتري المزيد من الطائرات المتطورة من دول أخرى حال عدم تلبية طلبها. وانتهى الأمر بنزول واشنطن عند الطلب الإماراتي.

وفي معرض حث الإدارة الأميركية على إبرام إتفاق أمني قوي مع الرياض، وجه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان رسالة تحذير مبطنة لإدارة بايدن خلال المقابلة مع قناة «فوكس نيوز» الأميركية- 23/9/2023، عندما قال للمذيع «نحن أكبر مشترٍ للأسلحة الأميركية، ونؤدي دوراً حاسماً في صادراتكم إقتصادياً، أنتم لا تريدون أن نستورد الأسلحة من بلد آخر». يُذكر أن قيمة مشتريات المملكة من الأسلحة الأميركية بلغت خلال العقدين الماضيين نحو 140 مليار$.

قدر «معهد استوكهولم لأبحاث السلام الدولي»، إجمالي قيمة صفقات السلاح التي تمت في العام 2023 بما يتراوح بين 1,15 – 1,25 تريليون$، بينما كانت في 2022 تتراوح بين 1,17-1,20 تريليون$. وتصدر ترتيب الدول المصدرة للأسلحة كل من: الولايات المتحدة- 40%، روسيا- 16%، فرنسا- 11%، الصين-5,2%، ألمانيا- 4,2%، إيطاليا- 3,8%، بريطانيا- 3,2%، إسبانيا- 2,6%، كوريا الجنوبية- 2,4%، إسرائيل- 2,3%.  

ضمت قائمة الدول العشر الأولى المستوردة للسلاح 3 دول عربية بالتراتب التالي: السعودية- 2، قطر- 3، مصر- 6، فيما الترتيب العالمي لدول عربية أخرى: الإمارات- 11، الكويت- 12، الجزائر- 18، المغرب- 29، الأردن- 39، البحرين- 40. [ وكالة «الأناضول - 3/4/2023].

بلغت صادرات الأسلحة الإسرائيلية - 2022 رقماً قياسياً تجاوز 12,5 مليار$، وذكر تقرير لوزارة الدفاع الإسرائيلية، أن مشتريات الإمارات والمغرب والبحرين رفعت مبيعات إسرائيل من السلاح عام 2022 بنسبة 24%. وقد صُنفت 3 شركات إسرائيلية: «إلبيت»، «الصناعات الجوية»، «رفائيل» من ضمن أكبر 100 شركة تصدير سلاح في العالم.

وتوزعت أنواع الأسلحة التي شملتها الصادرات الإسرائيلية على النحو الآتي: طائرات بدون طيار بنسبة 25%، صواريخ وقذائف وأنظمة الدفاع الجوي- 19%، أنظمة رادار ومضادات جوية- 13%، أنظمة مراقبة وإلكترونيات- 10%، تكنولوجيا معلومات وأنظمة اتصالات- 6%، معلومات واستخبارات سيبرانية- 6%، طائرات مأهولة- 5%، وسائل إطلاق النار- 5%، مركبات وإتصالات- 5%، ذخائر وأسلحة- 4%، أنظمة بحرية- 1%، خدمات عملاء- 1%. [«قفزات في صادرات الأسلحة الإسرائيلية إلى شتى الأنحاء!» - «مدار» - 11/9/2023]