
حسن الخفاجي
· انهم بناة الوطن يا مالكي
ترك الدكتور جواد العراق بعدما عاد إليه بقرار(عودة الكفاءات) في سبعينات القرن الماضي , لم يمكث في العراق أكثر من ستة أشهر قضاها أستاذا جامعيا مدة شهرين , وأربعة أشهر قضاها متنقلا بين دوائر الأمن والمخابرات , كان مادة دسمة لتقارير الرفاق في وزارة الصناعة , التي نقل إليها من وزارة التربية والتعليم .
قرر الهرب قبل ان يقترب حبل الإعدام من رقبته !. قبل سفره بيوم ترك في دار والدته العشرات من صناديق الكارتون , تحوي المئات من علب حليب الأطفال(كي كوز), ترك مع الصناديق رسالة ومبلغ من المال.كتب في الرسالة: "والدتي الحنونة , دون مقدمات.. اعرف ان هذا الحليب لايشبه حليبك الطاهر,هو حليب (قواطي) ان صعد أو نزل , أعرف ان النقود لن تعوضك عن سنوات الفراق والحرمان , اعتذر منك لأنني وأصدقاء لي من التكنوقراط قررنا الهرب من العراق !.
بعدما علمت بمحتوى الرسالة رفعت كفيها بالدعاء التالي: ((ربي لاتوفق جواد وجماعته الكَال عليهم التنكجيه قراط مدري شسماهم - تقصد التكنوقراط - دنيا وأخره واشلع كَلوبهم مثل ما شلعوا اكَلوب أمهاتهم)).
يبدو ان الله استجاب لدعاء أم جواد , حيث شمل كلامها كل طبقة التكنوقراط العراقيين, الذين (انشلعت كَلوبهم) , حيث لم تنصفهم حكومة صدام , ولا حكومات ما بعد التغيير!!.
اعرف ان مقاعد الوزارات محجوزة للكتل التي لا تفرط بوزارة وتتركها ل(تنكجي قراط) كما قالت أم دكتور جواد , لكنني أتوجه إلى رئيس الوزراء السيد المالكي , أطالبه مثلما طالبه غيري :ان يكون كل وكلاء الوزارات من طبقة التكنو قراط , ويمنحوا صلاحيات واسعة كي يتمكنوا من المساهمة ببناء الوطن , وان تعذر ذلك فلتسند إليهم مهام استشارية في كل الوزارات حسب اختصاص كل منهم .
عندما بدأت حركة التكنو قراط في امريكا عام 1932 , تدخلت بقوة لتجد حلولا سريعة لمشكلات صعب على الساسة فهمها , ووضع الحلول لها .منذ ذلك التاريخ للان وطبقة التكنوقراط هي من تدير أمريكا فعليا , أما ساسة أمريكا فهم جهاز تنفيذي يعود بكل صغيرة وكبير إلى مختصين من التكنوقراط سبب تقدم امريكا يعود للطبقة المهنية التي تدير الحكم .
تكنوقراط": هم النخب المثقفة الأكثر علما وتخصصا في مجال المهام المنوطه بهم, وهم غالباً غير منتمين للأحزاب. والتكنوقراط كلمة مشتقة من كلمتين يونانيتين: التكنولوجيا:وتعني المعرفة أو العلم ،وقراط وهي كلمة إغريقية معناها الحكم, وبذلك يكون معنى تكنوقراط حكم الطبقة العلمية الفنية المتخصصة المثقفة"
بعد هذا التعريف البسيط للتكنوقراط :أي عراقي غيور على بلده لا يرضى بتولي هذه الطبقة مهام ومسؤوليات كبيرة في بناء عراق مهدم بحاجة إلى خبرتهم ؟
العراق بحاجة ماسة الى التكنوقراط أكثر من حاجته الى الساسيين والبرلمانيين .
ان الانتماء الحقيقي للعراق والكفاءة هي التي يجب ان تلعب دورا في استعراض أسماء المئات من العراقيين من طبقة التكنوقراط , الذين وضعوا سيرهم الذاتية بين أيادي الساسة , وفي مكتب رئيس الوزراء .من اجل تشكيل حكومة تعمل بجد وبعلمية دون ارتجال لبناء بلد بحاجة إلى خبرات أبنائه البناة نتوسم من أصحاب القرار فسح المجال أمام مشاركتهم .
الكثير ممن قدمّوا سيرهم الذاتية من طبقة التكنو قراط يعملون في الغرب الآن في مراكز مهمة وحساسة , مرتباتهم التي يتقاضونها اعلي مما سيصرف لهم في العراق. لكن الرغبة الذاتية والروح العراقية الأصيلة هي التي تدفعهم للقدوم للعراق , وتحمل المتاعب والمخاطر .
كل دول أوربا الغربية , اليابان , ماليزيا , سنغافوره , كوريا , تايوان , الهند , البرازيل , الصين , كل هذه الدول التي سبقتنا في التطور والرقي بناها أبناؤها من التكنوقراط , فلو أردنا اللحاق بهذه الدول يتحتم علينا السيرعلى السكة التي أوصلتهم إلى التقدم , مع اخذ خصوصية العراق في الحسبان .
عندما نرى حكومة فيها الكثير من التكنوقراط نطمئن لمستقبل العراق , ونعرف ان معدل المواطنة والكفاءة هو الذي يحدد مركز المواطن العراقي الوظيفي , دون سواه من المميزات الحزبية والعرقية :ان الانتماء للعراق يجب ان يكون فوق كل انتماء ضيق.
ذكر الكاتب المصري أنيس منصور في كتاب هموم هذا الزمان قصة مخترع مصري قابله الكاتب في ألمانيا , مهتم باختراع أنواع من الجلود الصناعية والطبيعية والأصباغ. أقنعه الكاتب بالذهاب إلى مصر, ذهبا وقابلا وزير الصناعة المصري , انشغل الكاتب عن المخترع , بعد عام جاء أبناء المخترع ليقولوا للكاتب: "نعزيك بوفاة والدنا , الذي لم تعمل له وزارة الصناعة ولا الحكومة المصرية أي شيء!. أوصى والدنا قبل وفاته بان ندفن اختراعاته وبحوثه معه في القبر, وان نضع على قبره هذه العبارة "من اجل صناعة الأحذية عاش ومات جزمه" !.
التكنوقراط العراقيون بناة الوطن يتطلعون إلى شخص المالكي - الذي تصدى ببسالة عراقية خالصة للإرهاب والطائفية - لإنصافهم كي يساهموا ببناء العراق الشامخ
"لا وسادة انعم من وسادة الضمير"
حسن الخفاجي