يوخنا اوديشو دبرزانا

 

 

تأليه الإنسان وإسقاط الإله

يوخنا اوديشو دبرزانا

 

من الذاكرة :

روت صديقة رقاوية أن المرحوم عبد الرحمن البصير (الرقاوي) رئيس اتحاد عمال الحسكة سابقاً ( زميل الدراسة لحافظ الأسد) نصح حافظ الأسد منع إقامة النصب الشخصية له في المحافظات والاكتفاء بنصب لتمجيد إنجازات المرحلة كي لا يأتي اليوم الذي تُزَالُ فيه تلك النصب وعلى ذمتها, غضب منه قائلاً لو لم تكن صديقي لأمرت الان بسجنك. اعتبرها اهانة. 

 

في بداية التسعينيات كنا أعضاء فرع الخابور لجمعية مار منصور الخيرية برئاسة المرحوم الدكتور يوخنا هرمز في جولة لجمع التبرعات رافقنا أثناءها كل المتروبوليت مار افرام (مطران سوريا الحالي) والزائر العراقي السيد الشماس بينخس القيادي في الحركة الديمقراطية الآشورية. أثنائها كنا نناقش ظاهرة التدين (الطقسي) حسب توصيف المفكر العراقي حسين سعدون في كل من سوريا والعراق وسبغ هالة من الألوهية على الرئيسين وبالاخص في العراق بعد تضمين العلم عبارة دينية يستحيل المساس بها فقد أصبحت مثل الماركات المسجلة ولو أن صاحبها ((المؤله يوماً)) أُخرِجَ كالفئران من جورة على يد الكفار وأسقطت تماثيله من ساحات المدن وسحلت في الشوارع والحالة تكررت في سوريا مع التبول على تلك التماثيل وكلاهما تلامذة جمال عبد الناصر (معبود الجماهير) في زمن ما.

 

غايتي :

غايتي من السرد أثناء تلك الجولة وموضوع الحديث السابق الذكر تبنيت جازماً مقولتي عنوان هذه الكتابة المتواضعة ((تأليه الإنسان وإسقاط الإله)) ودافعت عن رأيي من منطلقين الأول من التاريخ المشرقي عبر العصور والذي اختصره بعبارة سوقية إلى حد ما ((أهلاً وسهلاً باللي جايي والعن أبو الرايح)) أي الترحيب بالقادم  وشتيمة بالمغادر. وما زال الإنسان المشرقي غير متأثر بكل الدماء التي سفكت عبر العصور وتسفك في أيام ((النور)) هذه وتدعوه للتحرر من الماورائيات بالاستنباط من الموروث الحضاري والفكري سبلاً لخلق نمطاً تعايشياً وليس بالضرورة مثل النمط الغربي بل نمطاً متماشياً وموروثاتنا الحضارية التي كان لها دورها في أنسنة الإنسان منذ حمورابي إلى ابن خلدون وابن رشد ومحمد شحرور وغيرهم من المتنورين من مختلف المذاهب والديانات والطوائف والاثنيات. أما المنطلق الثاني لتلك المقولة هو تجربة ((الغرب الكافر)) الذي لم تكن مآسيه اقل من مآسي الشرق ((كوليرا, طاعون، حروب المئة سنة، محاكم التفتيش، الحربين العالميتين.)) ضحاياها ربما قاربت المئة مليون لكن الاحتكام للعقل وفصل الدين عن السياسة وسيادة القانون وحرية الفكر والمعتقد والرأي يجعلها اليوم في بحبوحة ورغد العيش وملجأ للمضطهدين في شرقنا الرائع اللعين وفي الوقت عينه يساعدون  الدول مثل تركيا على سبيل المثال بمليارات الدولارات لإيواء اللاجئين بحيث أصبح اللاجئون مورد رزق وربما بند في الدخل الوطني وتلك المساعدات رقماً في الموازنة السنوية  لتركيا. 

 

مشاهدة :

المني جداً كسوري منظر ((الرقيصة)) في معرض دمشق الدولي والخالي من المعروضات في زمن المنافسة العالمية الأشد في كافة المجالات والانكى أن الرقصات جاءت على إيقاع العزف الموسيقي الإسرائيلي في الكسوة وعلى قولة المثل الدمشقي (العرس في حرستا والرقص في دوما) كما آلمني يوماً منظر معارفي وأصدقائي في دبكة أما القصر العدلي في الحسكة احتفالاً بذكرى الحركة (التخريبية للإنسان السوري) في ثمانينيات القرن الفائت في الوقت الذي كان أطفالهم يفتقدون لعلبة الحليب ومطابخهم إلى علبة زيت وجرة غاز وعلبة دواء لمرضاهم. 

 

البارحة تابعت رحلة ((رئيسنا المؤقت قدس الله سره)) عبر المحافظات والبلدات السورية والاستقبالات الجماهيرية وما رافقها من مظاهر ((نحر الجمال وصيحات اسلاموية)) لا يمكن اعتبارها عفوية بقدر ما هي مؤدلجة وموجهة على ذات النهج  الذي كانت تقوم به مخابرات النظام البائد وما الظهور المفبرك في الحدائق العامة والساحات وافتتاح معرض دمشق وفجاجة وضع حجر الأساس لمشروع ابنية من فئة النجومية في الوقت الذي تقول فيه الدراسات أن 90% من الشعب السوري تحت مستوى خط الفقر ناهيك عن المهجرين في المخيمات والشتاء على الأبواب وما هذه المظاهر والجولة السريعة على المدن والبلدات إلا من باب الترويج والسير على خطى (السلف الطالح) وللتذكير أن  رئيسنا الحالي في غنى عن أي إمام أو مفتي أو عالم دين على شاكلة الحسون والبوطي لنعته بالرئيس المؤمن. إن رئيسنا الحالي مؤهل للعبادة لما له من رصيد إيماني جهادي عقائدي وقد هيأ له كل من (الملعونين الأب والابن) الأرض الخصبة من خريجي مدارس ((تحفيظ القرآن الكريم وليس تعليمه)) وعلاوة على كل ذلك الكنية والنسب لآل البيت حسب زعم والده.                   

 

إنها اللعبة :

يحضرني الجواب المقتضب لسفير العراق في الامم المتحدة ((محمد الدوري)) للصحفيين الذين لاحقوه إلى باب داره بعد سقوط بغداد قوله : لقد انتهت اللعبة!

إنها لعبة الأمم، أنعتها بما شئت مؤامرة، صراع مصالح أو ما شاكل إنما المهم هو البقاء في اللعبة كما يقول مهندس الانقلاب الأول في سوريا ((مايلز كوبلاند)) في كتابه ((لعبة الأمم)) والذي عُزِزَ بكتابه الثاني ((اللعبة واللاعب)) كرد على تفنيدات ((محمد حسنين هيكل)) حيث يقول اللاعب الماهر هو من يتمكن من البقاء طويلاً في اللعبة!

 

ترى إلى أي حد يمكن لرئيسنا الحالي خلق هالة التقديس الجماهيرية على مجمل المساحة السورية وليس على رقعة معينة وضمن فريق محدد؟ وإلى أي فترة زمنية يمكنه من البقاء كلاعب ماهر في هذا الملعب؟

 

رأيي قد نبجله جميعاً بمختلف مشاربنا وانتماءاتنا الدينية والمذهبية والاثنية إذا تمكن من صناعة القدرة لسوريا على شاكلة الرئيس الماليزي ((مهاتير محمد))  وهذه القدرة لن يمكن صنعها إن لم تكن سوريا بيتاً للجميع دعائمه العدل    والمساواة وسقفه الحرية  وخلاف ذلك لن يكون مصيره أفضل من مصير سابقيه إلا إذا بقي رئيساً لحيز جغرافي محدد لمحافظات معدودة أي بعد أن يُقرأ على سوريا السلام.

يوخنا اوديشو دبرزانا

شيكاغو

31 آب 2025