للذهاب الى صفحة الكاتب   

العبودية في القرن الحادي والعشرين

د. آدم عربي

 

 

رغم أن العالم يفاخر اليوم بتقدمه في مجال حقوق الإنسان، فإن تقارير دولية عديدة ما تزال تكشف عن استمرار أشكال مختلفة مما يُعرف بـ"العبودية الحديثة". وقد احتلت عدة بلدان عربية مراتب متقدمة في هذا المجال، وفقا لتقرير سنوي أصدرته مؤسسة "ووك فري"، قدّر عدد البشر الذين يعيشون تحت أنماط متنوعة من الاستعباد بنحو ستة وثلاثين مليون إنسان موزعين على 167 دولة حول العالم.

 

ويعرّف التقرير العبودية الحديثة بأنها كل حالة يُجرَّد فيها الإنسان من جزء أساسي من حريته، ويُعامل بوصفه أداة للاستغلال أو مصدرا للربح، بحيث يُفرض عليه التحكم والإدارة والتصرف من قبل آخرين، وكأنه شيء قابل للامتلاك والتداول كسائر السلع. وتتخذ هذه الظاهرة صورا متعددة، من بينها العمل القسري، والاستغلال الجنسي، وإجبار النساء على الدعارة، والزواج القسري، وبيع الأطفال واستغلالهم، فضلا عن مختلف الأعمال التي يُدفع الإنسان إلى ممارستها تحت وطأة التهديد والعقاب.

 

وفي اليمن شهدت السنوات الماضية حادثة لافتة، حين حصل أحد العبيد على حريته بعدما اشتراه رجل ثم أعتقه تكفيرا عن ذنب اقترفه. غير أن آخرين لم يروا في امتلاك العبيد أو الجواري أي حرج أخلاقي أو ديني، بل سعوا إلى إضفاء المشروعية على ذلك. فقد اعتبر أحدهم أن الاحتفاظ بالجواري أمر غير محرّم، وأن عتق العبيد يمثل وسيلة من وسائل التكفير عن الذنوب. وضمن هذا المنطق يبرز سؤال ضمني: كيف يمكن للإنسان أن يعتق عبدا إذا لم يكن العبد موجودا أصلا؟

 

ولم يقتصر الأمر على مجرد الدفاع النظري عن هذه الأفكار، بل وصل إلى المطالبة بإعادة تنظيمها قانونيا. فقد دعت إحدى الناشطات، اللواتي قدّمن أنفسهن بوصفهن "مصلحات اجتماعيات" في أحد البلدان العربية، إلى إصدار تشريع حديث ينظم مسألة الجواري، بحجة حماية الرجال من الوقوع في الانحراف، وصيانة المجتمع من الأمراض والمعاصي، والحيلولة دون انتشار الأطفال المولودين خارج إطار الزواج. وبذلك تحولت الدعوة إلى مطالبة صريحة بإحياء مؤسسة الجواري في القرن الحادي والعشرين.

 

أما المشكلة التي رأت هذه "المصلحة الاجتماعية" أنها تستوجب المعالجة، فهي العلاقات التي تنشأ بين الرجال والنساء خارج إطار الزواج، وما تراه مترتبا عليها من تراجع ديني وأخلاقي، وانتشار للمعاصي، وظهور أطفال خارج الزواج، وتفشي بعض الأمراض. وبعد أن بحثت عن حل لهذه الإشكالات، انتهت إلى أن إعادة العمل بنظام الجواري، ضمن إطار قانوني منظم، هو السبيل الأمثل لمعالجتها.

 

لكن سؤالا جوهريا يفرض نفسه هنا: من أين ستأتي هؤلاء الجواري؟ وقدمت صاحبة الفكرة إجابة صريحة تمثلت في استقدامهن من روسيا أو من دول غير إسلامية أخرى، بل ذهبت أبعد من ذلك عندما اقترحت أن تتحول غير المسلمات اللواتي قد يقعن في الأسر خلال حروب داعش فيما مضى إلى جواري يُخصَّصن للرجال في مجتمعاتنا.

 

وفي الاتجاه نفسه، وقبل سنوات، دعا الشيخ المصري أبو إسحاق الحويني إلى العودة إلى نظام الرق وسبي النساء غير المسلمات واتخاذهن جواري للرجال المسلمين المقتدرين ماليا، معتبرا أن ذلك يمثل حلا اقتصاديا فعالا ويسهم في معالجة الفقر. كما رأى الداعية صالح الغانم أن الحصول على الجواري عن طريق الحروب أمر جائز إذا جرت الحرب تحت راية ولي الأمر، الذي يملك وحده حق التصرف بالأسرى والسبايا، سواء بإطلاق سراحهم أو توزيعهم أو اتخاذ قرارات أخرى بشأنهم.

 

وفي إحدى الزيارات لصديق ميسور الحال، ينتمي إلى ما تبقى من الطبقة الوسطى ويحمل شيئا من إرثه اليساري القديم، ارتكبت العاملة المنزلية السريلانكية خطأً بسيطا أثناء أداء عملها، فما كان منه إلا أن انفجر غاضبا مرددا المثل الشهير: "لا تشترِ العبد إلا والعصا معه".

 

أعادتني عبارته إلى مقابلة صحفية قديمة مع أحد كبار الليبراليين الأوروبيين. فعندما سُئل: "من هو الزنجي؟" أجاب، دون تردد: "إنه عبد". والمفارقة أن صديقي، الذي أصبحت أسرته عاجزة تقريبا عن تسيير شؤونها اليومية من دون هذا الشكل من العمل المنزلي الرخيص، كان يكرر الفكرة ذاتها بصيغة أخرى؛ فالعاملة السريلانكية، في نظره، ليست إنسانة تؤدي عملا مقابل أجر، بل كائن يجب التعامل معه بعقلية السيد والعبد.

 

ومنذ ذلك الحين ظل هذا المثل الشعبي يثير فضولي: لماذا يُقال إن العبد يجب أن يُشترى ومعه العصا؟ وبعد تأمل طويل بدا الجواب واضحا. فالإنسان، مهما كانت ظروفه، يحمل في داخله نزوعا فطريا إلى الحرية. ولهذا لا يمكن للعبد أن يكون راضيا حقا عن عبوديته، حتى وإن أظهر الخضوع أو التكيف معها. ومن هنا تنشأ حاجة السيد الدائمة إلى العصا، سواء كانت عصا حقيقية أم رمزا للقوة والعقاب والتهديد. فالعبد لا يصبح عبدا إلا بالقهر، ولا يبقى عبدا إلا باستمرار القهر.

 

وفي هذا المعنى تكمن دلالة "العصا" التي ما تزال حاضرة بأشكال متعددة في حياتنا، ظاهرة أحيانا ومستترة أحيانا أخرى، حيث تُدار كثير من العلاقات والسلطات بالقوة بدلا من الإقناع، وبالخوف بدلا من الاقتناع الحر.

 

في الأزمنة القديمة كانت السلاسل والأغلال أدوات ضرورية لإخضاع العبيد، لأن أرواحهم كانت ترفض الاستسلام وتقاوم القهر. أما اليوم فقد خفّ حضور القيود المادية، لكن ذلك لا يعني أن العبودية اختفت. لقد تحررت الأجساد في كثير من الأحيان، بينما استسلمت الأرواح والعقول. وهكذا تحولت العبودية لدى بعض الناس من وضع قانوني مفروض إلى نمط تفكير وطريقة حياة.

 

فكم من إنسان عاش مقيدا بالأغلال، لكنه ظل حرا في داخله، لأنه أدرك حقيقة القيد وسعى إلى كسره، ورفض أن يتبنى أخلاق العبودية أو أن يعتبر استعباده فضلا يستوجب الامتنان. وفي المقابل، كم من إنسان عاش من دون سلاسل أو قيود ظاهرة، لكنه ظل أسيرا لأنه تشرب عقلية الخضوع، فلم يعد قادرا على رؤية القيود المزروعة في وعيه وإرادته ونظرته إلى العالم.

 

ولهذا فإن الحرية الحقيقية لا تُقاس بوجود القيود المادية أو غيابها فحسب، بل تتحدد بقدرة الإنسان على اكتشاف ما يقيده، والتمرد عليه، وصيانة استقلال عقله وإرادته في مواجهة كل أشكال السيطرة، مهما تغيرت أسماؤها أو تبدلت صورها.