للذهاب الى صفحة الكاتب   

المليشيات والدولة من الأعرق في العراق؟ (1 /2)

عبد الامير الركابي

 

 

 الذين يهرفون باسم الدولة في العراق معتبرين وجودها من قبيل البداهة غير القابله للنقاش، بمقابل المليشيات المسلحة كواقع، يكرسون افتراضية لا اساس لها، مستعارة من مواضع وكيانات اخرى في مقدمها بالطبع الصيغة او النموذج الغربي الاوربي المعروف ب "الحديث"، ونموذجيته "الدولة الامه" مستندين الى واقعه قامت في العراق بداية  العشرينات  من القرن المنصرم، ومروية اعتباطيه معيبه عن "دولة" اقامها الانكليز في حينه كحل لاجل ضمان مصالحهم ونفوذهم المهدد في العراق بعد ثورة 1920 باقامتهم "حكومة من اهل البلاد" تكون واجهة للنفوذ البريطاني"، مرتكزين ال حالة من الانهيار الانقطاعي العراقي التاريخي ووقوع العراق منذ انهيار بغداد عاصمه الامبراطورية المنهارة  عام 1258 وتتابع الدول واشباه الامبراطوريات من يومها على حكم العاصمة المنهارة خارج الاليات التاريخيه، وبالضد منها، خصوصا بعد بدء الانبعاث الاخير الراهن الثالث منذ القرن السادس عشر، هذا مع الاختلاف النوعي بين البرانيه المقتصره على العاصمة المنهارة من هولاكو الى حضور الانكليز بعد عام 1914، لان اللحظة صارت تمثل نوع برانيه اصطراعية اليه مقارنه بما قبلها من استمرار الطور اليدوي.

 

 غير ان الفظيع فيما حصل وقتها ليس ما كان المحتل بصدده ويريد تكريسه، فالغرب الاستعماري والانكليز في مقدمهم، لم يكونوا في الحصيله مجرد قوة غاشمه قد تكون هي ذاتها غارقة في الوهم، فقوة الاستعمار كما عرفها العالم الحديث اساسها الفعال مفهومي نموذجي، تولد عن الانقلابيه الالية بصيغتها المصنعية الابتدائية مع اجمالي عملية التسارع في الديناميات المجتمعية التي حلت على اوربا، التي هي اصلا الاعلى ديناميات ضمن نوعها المجتمعي بسبب ازدواج مجتمعاتها الاصطراعي الطبقي، وما يتولد من تميز كينونه متصل بهذا النوع من الازدواج اليدوي، وقد كانت السبب الاهم وراء انبجاس الاله في هذا الموضع من العالم لا في الصين او الهند ولا في افريقيا، وهو سبب يحتاج الى وقفه خاصة به وبمنطوياته الاجمالية، ضمن التاريخ المجتمعي البشري، الغرب لم يكن مهيئا لادراك منطوياته الابعد من حدود الآنيه المصنعية والطبيقة الحالة عليه، وكان له ان اعتمد واشاع حزمة من التوهمات الانيه ما قبل الادراكية الضرورية للانقلاب الالي، ومترتباته الكونية التي لم تكن وقتها الا بداية وافتتاح، عجز العقل الاوربي ساعتهاعن التعامل معه الا كظاهرة مكتمله.

 

 والذي يقرا المروية "العبقرية" التي بموجبها تنوجد"الدولة العراقية الحديثة" (1) كما وضعها الضابط الانكليزي الملحق بالحملة البريطانيه "فليب ويرلند"، لابد ان يصاب بالدهشة المقرونه بالاحباط ازاء لحظة مخالفة لابسط قواعد المعرفة، فضلا عن ما يمكن ان يتصل ب"العلم السياسي"، فكأن الشعوب والامم بالاخص اكثرها خصوصية كارض مابين النهرين، يمكن ان تتحول الى لعبه يجمع فيها وعندها المكان والجغرافيا خارج  كينونتها، لتمنح ديناميات مفروضة عليها من خارجها، علما بان من وضع السردية التاسيسية المذكورة كان بالاحرى يرتكب وقتها مايمكن ان يطلق عليه "جريمة معرفية استعمارية" بحق الانقلاب الالي نفسه في مكان  استثنائي على مستوى المعمورة، تاريخه هو الاطول بين التواريخ البشرية، وهو مبتدا التبلور المجتمعي، لم يعرف خلال تاريخه الطويل ما يعرف ب "الدولة" ولا المحلية، وكانت له خاصية تكوينيه مقرونه به هو بالذات من دون غيره من المجتمعات البشرية.

 

 فهل يمكن ياترى للعقل الارضوي اليدوي الخارج بالكاد من وطاة الطور المنقضي، ان يستوعب احتمالية ان تكون هنالك كينونة مجتمعية بدئية مضادة للدولة وللكيانيه المتعارف عليها والشائعه على مستوى المعمورة على مدى الطور اليدوي، بحيث تتحول اللحظة الانقلابيه لا الى اكتشاف للصراع الطبقي المغفل تاريخيا، او ما يعرف بالمجتمعية ومفاهيم ما اطلق عليه "علم الاجتماع" الذي يفسر ذاته واحاديته، فلم يكن واردا والحاله هذه ان ينظر ويرلند للعرق لاهو ولا  لونغرك الضابط الباحث الاخر الملحق بالحملة البريطانيه، كون العراق كيانيه كونية امبراطورية لم يحدث لها ابدا ان ظهرت في التاريخ على قوة حضورها الاستثنائي كبلد وكيانيه "محلية" كمصر على سبيل المثال  وللمقاربة، وان العراق كما هو بين من ابسط معاينه للتاريخ، موضع  نهضات وانقطاعات وحضور كوني امبراطوري، يبدا ب "بابل" ومن ثم "بغداد" من الاعلى وسماوي لاارضوي من الاسفل "ابراهيميا، ومعهما انقطاعان وغيابان ينتهيان اليوم بانبعاثية لاتفوت اي مدقق ناهيك كما مفترض، عن "باحث" حصيف مسؤول عن اطلاق احكام لها مفعول تاريخي ومصيري.

 

 انا شخصيا لا اتردد اطلاقا، ولا اخشى ان اعلن للملا وللعالم برمته، ان المجتمعات البشرية تتشكل كيانيه بصيغتين، الاولى هي العامه الاحادية الجغرافية المحلية ومنها الامبراطورية، والثانيه في موضع البدئية المجتعمية الرافدينيه، وهي حالة ازدواج مجتمعي كوني ابراهيمي وامبراطوري، ابتداء من اول امبراطور و"حاكم زوايا الدنيا الاربع" سرجون الاكدي 2371/ 2316 ق.م، الى عاصمة العالم الاولى بابل، ومن ثم بغداد، وانه محكوم لقانون الدورات والانقطاعات على الطريق نحو غايته وتحققه النهائي، عرف دورة اولى سومرية بابلية ابراهيمه، وثانيه عباسية قرمطية انتظارية مهدوية، ودخل من ارض سومر التاريخية ذاتها اليوم مع القرن السادس عشر و"اتحاد قبائل المنتفك" الذي قام في 1530 دورته الانبعاثية الثالثه الاخيرة الاخذه الى الهدف والمنطوى الاعظم، بعدان صارت الاسباب والظروف اللازمه والتي ظلت غائبة وناقصة على مدى الدورتين المنصرمتين، مع انبثاق الاله في الموضع المهيا لانبثاقها ابتداء، بصيغتها المصنعية حيث الازدواج الطبقي المقابل للازدواج الاصل المجتمعي الارضوي اللاارضوي الرافديني.

 

 وقد يكون الاكثر تهافتا واستفزازا من بين مرتكزات الرؤية او المروية البرانيه الانكليزيه عن العراق، جانبها الجغرافي الاعتباطي الذي يقرر تراصف ثلاث ولايات عثمانية هي الموصل وبغداد والبصره كي تشكل كيانيه خارج الديناميات التاريخيه، وبالضد من الخاصية العراقية فوق الجغرافية، حيث فعل الديناميات الاصطراعية هو العامل الرئيسي والذي يتركز جنوبا في ارض سومر ابتداء، وفي الكوفة والبصرة في الدورة الثانيه، فالعراق كما سبق القول لاكيانيه جغرافية له، لانه حالة كونيه اصطرعية تبدا بالمجتمعية اللاارضوية السومرية نتاج الاصطراع مع البيئة القاهرة الاقرب للافنائية، ومعاكسة النهرين العاتيين للدورة الزراعية، مايحول اجمالي النشاط الانتاجي والمجتمعي الى ما فوق ارضوي، والى عملية استيلاد لمافوق ارضوي بما يطابق التعبيرية اللاارضوية في زمن سيادة الارضوية بحكم مفاعيل الانتاجية اليدوية في حينه، بانتظار انتهاء الزمن اليدوي والقصور العقلي الملازم لتاريخ العقل البشري بازاء المسالة المجتمعية الى اليوم.

 

 لا يتحقق الانقلاب الالي الا بحصيلة الاصطراعية الارضوية الاوربيه واللاارضوية العراقية وبمآلاتها بعد ان تصل الاله تحوليتها الاخيرة التكنولوجية العليا الاخذه بالتبلور الان، والحاصل مع مجي الانكليز الى ارض مابين النهرين، هو بدء الاصطراعية المنطوية على الغاية التحولية العظمى، بين توهمات واكراهات الارضوية ومتبقياتها التي ترفع راية الاله قبل اكتمال عناصرها، وهي عملية  توهمية افنائية للنمطية العراقية، لا مكان فيها للدولة المفبركه في مكان لم يعرفها على الاطلاق، وقد صار موجودا في حال استعداد منذ القرن السادس عشر اي مع بدايات ظهور الاله الى اليوم، حيث ينتظر الانبثاق اللاارضوي مع تحول الاله تحولها "التكنولوجي" النهائي الى قوة انتقال من الارضوية الجسدية الى العقلية.