
عملية المنبوذ الاقتصادي: هل تنفجر إيران من الداخل؟
د. حسين الديك
القدس
في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني ضغوطًا متراكمة تتمثل في تراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم، وغلاء الأسعار، وتزايد الصعوبات المرتبطة بتأمين بعض السلع والاحتياجات الأساسية، دخلت المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة أكثر شمولًا. ففي 24 أغسطس/آب 2026، أطلقت وزارة الخزانة الأميركية ما سمّته "عملية المنبوذ الاقتصادي" (Operation Economic Outcast) بوصفها حملة اقتصادية واسعة تستهدف مصادر الإيرادات وشبكات التمويل والوسطاء الذين تعتمد عليهم إيران للالتفاف على العقوبات والوصول إلى النظام المالي العالمي.
ولا تبدو أهمية هذه العملية في حجم العقوبات المفروضة فحسب، بل في طبيعة المقاربة الأميركية الجديدة؛ إذ لم تعد العقوبات تركز فقط على كيانات إيرانية محددة، وإنما تسعى إلى استهداف المنظومة المالية والتجارية التي تسمح لطهران بتوليد الإيرادات، وتحويل الأموال، وتصدير النفط، والوصول إلى العملات الأجنبية والأسواق الدولية.
العقوبات بوصفها حربًا مالية واقتصادية
يمكن النظر إلى هذه الحملة باعتبارها شكلًا من الحرب المالية والاقتصادية طويلة الأمدفوزارة الخزانة الأميركية، من خلال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) وشبكة مكافحة الجرائم المالية (FinCEN)، تعمل على ملاحقة شبكات التمويل والوسطاء والشركات الواجهة والقنوات المستخدمة في تحويل الأموال والالتفاف على العقوبات.
وفي هذا السياق، استهدفت الإجراءات الأميركية شبكات مرتبطة بتهريب النفط، والقطاع المالي، وشركات الطيران، والوسطاء التجاريين، وحتى بعض البنى المرتبطة بالأصول الرقمية. كما وسّعت واشنطن مخاطر العقوبات الثانوية على المؤسسات الأجنبية التي تواصل التعامل مع الجهات الإيرانية المستهدفة، بما يرفع تكلفة التعامل مع إيران حتى بالنسبة إلى الشركات التي لا تخضع مباشرة للولاية القضائية الأميركية، وهنا تكمن إحدى أهم أدوات الضغطليس المطلوب فقط منع إيران من الوصول إلى المال، وإنما جعل التعامل معها أكثر كلفة ومخاطرة بالنسبة إلى الآخرين.
من استهداف المؤسسات إلى استهداف شبكة البقاء الاقتصادي
تسعى الاستراتيجية الأميركية إلى تضييق مجموعة من القنوات التي تعتمد عليها إيران للحفاظ على تدفق العملات الأجنبية وتمويل التجارة الخارجية. ويشمل ذلك شبكات تصدير النفط، والوسطاء الماليين، وشركات الشحن، والمؤسسات المصرفية، والقنوات غير الرسمية لتحويل الأموال.
وقد استهدفت واشنطن بالفعل شبكات للعملات الأجنبية والتحويلات المالية، كما اتخذت إجراءات ضد قنوات مصرفية في الإمارات مرتبطة بمعاملات إيرانية، في محاولة لتقييد قدرة طهران على استخدام البنية المصرفية الإقليمية للوصول إلى النظام المالي العالمي، وبالتالي، فإن التأثير الاقتصادي للعقوبات لا يقتصر على القيمة المباشرة للأصول المجمدة أو المعاملات التي يجري منعها، وإنما يمتد إلى رفع تكلفة التجارة والتحويلات والتأمين والشحن والتمويل، وكلما اتسعت دائرة المخاطر بالنسبة إلى البنوك والشركات الأجنبية، أصبحت قدرة إيران على استخدام الوسطاء والقنوات البديلة أكثر صعوبة وكلفة.
الحرس الثوري في قلب المعادلة
أحد الأبعاد الأساسية لهذه الاستراتيجية هو محاولة ضرب الشبكات الاقتصادية التي ترتبط بالمؤسسات التابعة للنظام، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني. لكن من المهم التمييز بين استهداف الحرس الثوري مباشرة وبين التأثير غير المباشر للعقوبات على الاقتصاد الإيراني ككل، فالحرس الثوري لا يعمل بمعزل عن الاقتصاد الإيراني، بل يرتبط بشبكات واسعة من المؤسسات والشركات والقطاعات الاقتصادية. ولذلك فإن استهداف مصادر التمويل والشركات الواجهة والقطاع النفطي وشبكات التجارة الخارجية يمكن أن يؤدي إلى تقليص الموارد المتاحة لمختلف مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري.
وهذا ما يجعل العقوبات الحالية مختلفة في طبيعتها عن مجرد قائمة عقوباتإذ تبدو أقرب إلى محاولة إعادة هندسة البيئة الاقتصادية المحيطة بإيران، بحيث تصبح قدرة النظام على الوصول إلى الموارد الخارجية أكثر محدودية بمرور الوقت.
شح العملات الأجنبية: الحلقة الأكثر حساسية
من بين أخطر التداعيات المحتملة لهذا النوع من الضغط تراجع قدرة الاقتصاد الإيراني على الحصول على العملات الأجنبية. فكلما انخفضت تدفقات العملات الصعبة، ازدادت الضغوط على العملة المحلية، وارتفعت تكلفة الواردات، وانعكس ذلك على الأسعار والأسواق الداخلية.وهنا يمكن أن تتشكل دائرة اقتصادية ضاغطة:
انخفاض الإيرادات الخارجية، وتراجع العملات الأجنبية، وضغوط على العملة، وارتفاع تكلفة الواردات، وتضخم وارتفاع الأسعار، وتراجع القوة الشرائية، زيادة الضغوطالاجتماعية، لكن هذه السلسلة لا تعمل بصورة آلية أو حتمية؛ إذ تستطيع الدول الخاضعة للعقوبات تطوير قنوات بديلة، واستخدام الوسطاء، وتغيير مسارات التجارة، وتوسيع الاقتصاد غير الرسمي، والاعتماد على شركاء اقتصاديين لا يلتزمون بالكامل بالعقوبات الأميركية.
ولهذا فإن السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت إيران تستطيع الالتفاف على العقوبات، وإنما مقدار الكلفة التي ستدفعها مقابل ذلك، ومدى قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل هذه الكلفة لفترة طويلة.
لماذا تختلف عملية المنبوذ الاقتصادي؟
تكمن أهمية العملية في أنها تبدو مصممة باعتبارها حملةمستمرة وليست إجراءً منفردًا، فقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية منذ البداية أنها تستهدف ما تسميه «شرايين الحياة الاقتصادية» للنظام، ثم واصلت خلال سبتمبر توسيع نطاق الاستهداف ليشمل قطاعات وشبكات جديدة. (وهذا يعني أن الرهان الأميركي يقوم على الاستنزاف التراكمي أكثر من اعتماده على صدمة اقتصادية واحدة. فكل إجراء منفرد قد يكون محدود التأثير، لكن تراكم الإجراءات على النفط والمصارف والشحن والطيران والتحويلات والوسطاء يمكن أن يخلق بيئة اقتصادية أكثر انغلاقًا وصعوبة.
ومن هنا يمكن فهم وصف واشنطن للعملية بأنها حملة طويلة الأمد تهدف إلى عزل النظام الإيراني عن الشبكات الاقتصادية والمالية الدولية.
هل يمكن أن يؤدي الضغط الاقتصادي إلى انفجار اجتماعي؟
السؤال الأكثر حساسية هو: هل يمكن أن يتحول الضغط الاقتصادي إلى أزمة سياسية داخلية؟
من الناحية النظرية، يمكن للتدهور الاقتصادي المستمر أن يؤدي إلى زيادة السخط الشعبي، خصوصًا إذا تزامن ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة مع البطالة وتراجع مستوى المعيشة واضطراب الخدمات. ويبدو ان الانتقال من الأزمة الاقتصادية إلى الاحتجاج السياسي أو التغيير الداخلي سيكون في نهاية المطاف مسارًا حتميًا.
ومن هنا فإن نجاح الاستراتيجية الأميركية لا يقاس فقط بحجم الضرر الذي تلحقه بالاقتصاد الإيراني، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الضرر الاقتصادي إلى تغيير في سلوك الدولة أو في حساباتها الاستراتيجية.
من خنق الاقتصاد إلى اختبار قدرة النظام على الصمود
في المحصلة، تدخل العلاقات الأميركية– الإيرانية مرحلة يمكن وصفها بأنها صراع على القدرة على الصمود الاقتصادي فواشنطن تراهن على أن تضييق مصادر الإيرادات، وتقليص تدفقات العملات الأجنبية، ورفع تكلفة التجارة، واستهداف شبكات الالتفاف على العقوبات، يمكن أن يراكم الضغوط على الدولة الإيرانية ومؤسساتها.
في المقابل، تراهن طهران على قدرتها على التكيف، وتنويع طرق التجارة، واستخدام القنوات المالية غير الرسمية، والاستفادة من الشركاء الإقليميين والدوليين، وتحويل الاقتصاد إلى اقتصاد أكثر اعتمادًا على أدوات الالتفاف والمقاومة للعقوبات.
فعملية المنبوذ الاقتصادي ليست مجرد حزمة عقوبات جديدة، بل اختبار طويل الأمد لقدرة الاقتصاد الإيراني على البقاء تحت ضغط مالي متصاعد، وقدرة الولايات المتحدة على إغلاق منافذ الالتفاف واحدًا تلو الآخر لذلك قد تتحدد نتائج الحرب الاقتصادية: ليس بضربة واحدة، وإنما بمسار طويل من الاستنزاف المتبادل.
