للذهاب الى صفحة الكاتب   

جدلية العطش والخراب في الشعر العراقي...

ديوان (البصرة... العطش والثورة) للشاعر د. فارس الرحاوي/ إنموذجاً

نقد: كريم إينا

 

صدرت مجموعة شعرية للشاعر الدكتور فارس الرحاوي بعنوان: "البصرة... العطش الثورة" الطبعة الأولى 2021، الكتاب من الحجم المتوسط طبع في مطبعة دار الينابيع، تصميم الغلاف: الفنان بيات محمد مرعي مع إهداء لثغر العراق الدافىء، ومقدمة من قبل الشاعر مع سيرته الذاتية، ضمّت المجموعة على (30) قصيدة، عدد صفحات الكتاب (104) صفحة، تُشكلُ هذه المجموعة الشعرية فضاءً نصيًّاً متشعّباً تتداخل فيه ثيمات العطش، والموت، والمنفى، والخراب، والذاكرة الجمعية، لتتحول القصيدة من بنيةٍ غنائية فردية إلى خطابٍ إحتجاجيٍّ ذي حمولةٍ تاريخية وروحية ووطنية. إنّ الشاعر هنا لا يكتب "قصيدة نثر" بالمعنى التقني فحسب، بل يكتب ما يمكن تسميته بـ"مرثية الوطن المفتوح" حيث تتجاور كربلاء مع الموصل والبصرة وذي قار، ويتحوّل التاريخ الديني إلى إستعارة سياسية وإنسانية معاصرة.

 

ومنذ العناوين الأولى مثل: :"واقعة الطف" و"دم الحسين" و"العطش والثورة"، يعلن النص إنتماءه إلى بنية رمزية مركزها "العطش"، بوصفه دالاً وجودياً يتجاوز المعنى الحسّي إلى معنى الحرمان الحضاري والروحي والسياسي. فالعطش في هذه النصوص ليس عطش الماء وحدهُ، بل عطش العدالة والخلاص والكرامة.

 يقول الشاعر في:" واقعة الطف"

وهذا الرضيع بلا ماء / /

لا تزال زينب بلا مأوى / /

 والصحراء تشدو بالآه //

/ والماء سراب /

(واقعة الطف، ص1)

إنّ هذه الصورة تستدعي مباشرةً مفهوم "الأسطورة الحيّة" عند ميرسيا إلياد، حيث يتحوّل الحدث التاريخي إلى نموذج متكرّر يعاد إنتاجه في الوعي الجمعي. فكربلاء هنا ليست حدثاً منتهياً، بل بنية زمنية مستمرة، ولذلك يقول:

"كم واقعة طفّ تلاحقنا"

(واقعة الطف، ص2)

وهذه الجملة المفتاحية تكشف البنية الفكرية للنص؛ فالتاريخ عند الشاعر دائريّ، "والمأساة العراقية تكرار دائم للطف".

 

لقد أشار الناقد العراقي عبد الله إبراهيم إلى أن "إستدعاء الرموز الدينية في الشعر الحديث لا يهدف إلى التقديس بقدر ما يهدف إلى مساءلة الواقع". وهذا ما يتجلّى بوضوح في المجموعة، فالحسين ليس شخصية تاريخية فحسب، بل رمز أخلاقي للمظلوم العراقي المعاصر. يقول الشاعر في "دم الحسين":

 كلّنا أصبحنا الحسن المسموم غدراً //

 والحسين القتيل //

(دم الحسين، ص1)

إنّ هذا التوحيد بين الذوات والجراح يكشف عن نزعة جماعية تتجاوز الفردية الرومانسية. فالشاعر لا يتحدّث عن "أنا" منعزلة، بل عن "نحن" مكسورة. وهنا تقترب القصيدة من مفهوم "الضمير الجمعي" عند إميل دوركايم، إذ يتحوّل الألم إلى وعي إجتماعي مشترك.

 

البنية الأسلوبية: التكرار بوصفه إيقاعاً نفسياً

تعتمد النصوص على تقنية التكرار بكثافة، وهو تكرار ليس زخرفياً، بل يحملُ وظيفة نفسية  وإيقاعية ففي:" سراب" " تتكرّر الكلمة ذاتها

(واقعة الطف، ص1)

وفي مواسم اللقاء" "

/ سفر سفر سفر/

(مواسم اللقاء، ص4)

هذا التكرار يخلق ما يسميهِ رومان ياكبسون "الوظيفة الشعرية للغة"، حيث تصبح الكلمة حدثاً صوتياً ونفسياً لا مجرد دلالة معجمية. كما أنّ هذا الترديد يوحي بحالة الدوران الوجودي والعجز عن الخلاص.

ومن الناحية الإيقاعية، تعتمد القصائد على إيقاع داخلي قائم على التنغيم والتوازي والتقطيع البصري، وهو ما يجعل النصوص أقرب إلى "التراتيل". ويمكن ملاحظة ذلك في قوله:

 يا عراق... //

/ يا بلد الخيرات /

والنوائب... شهيد على الماء )، ص1)

فالوقفات المتتالية تمنحُ النص نبرة إنشادية حزينة، نتذكّر بما قاله أدونيس عن قصيدة النثر بأنّها قصيدة النَّفَس الداخلي لا الوزن الخارجي"."

 

الصورة الشعرية: بين الرماد والماء

تقوم الصورة الشعرية في هذه المجموعة على ثنائية مركزية: الماء / الخراب. فالماء، رغم حضوره الكثيف، لا يؤدي وظيفة الخصب، بل يتحول إلى علامة فقد وموت. وهذا إنقلاب دلالي عميق. إذ إنّ العراق، أرض النهرين، يظهر بوصفه أرض العطش.

يقول الشاعر:

 وطني بلا هواء //

 بلا ماء //

(العطش والثورة، ص1)

ويقول أيضاً:

يا دجلة الخير / /

" ماذا دهاك اليوم؟"

(عتاب إلى دجلة الوحش، ص1)

إنّ مخاطبة دجلة بهذه النبرة العتابية تمنح النهر بُعداً شخصياً وأسطورياً في آنٍ معاً. وهنا نستحضر قول باشلار في جماليات الماء إنّ الماء في الشعر "مرآة الروح الإنسانية"، غير أنّ ماء هذه النصوص فقد طهارته وتحول إلى مقبرة:

"لقد أصبحت أكبر مقبرة"

(عتاب إلى دجلة الوحش، ص2)

وهكذا تتحوّل الطبيعة من عنصر خلاص إلى شريك في الفاجعة.

 

النزعة الإحتجاجية والسياسية:

لا تخفي النصوص موقفها السياسي؛ فهي منحازة بوضوح إلى الإنسان المهمش والمقموع،   وتتبنّى خطاباً إحتجاجياً مباشراً أحياناً. ففي: "" سوق البازار يقول

مدينتي اليوم يحكمها النخاسون""

(سوق البازار، ص1)

 وفي: "متظاهرون" "

 ما تزال مذكرات القبض تلاحقني //

 بلا سبب //

 قضيتي الوحيدة //

 أنّي متظاهر بلا رخصة //

(متظاهرون، ص1)

إنّ هذه اللغة المباشرة تُخرج النص أحياناً من الشعرية الرمزية إلى الخطاب السياسي، لكنّها مع ذلك تحافظ على شحنة إنفعالية عالية. وهنا يمكن الإشارة إلى رأي ت. س. إليوت الذي يرى أن الشعر يفقد جزءاً من خلوده حين يقترب كثيراً من المباشرة السياسية، إلاّ أنّ خصوصية التجربة العراقية تجعل هذا الإحتجاج جزءاً من البنية الشعورية للنص لا مجرد خطاب عابر.

 

المكان بوصفه ذاكرة جريحة:

المكان في هذه المجموعة ليس إطاراً جغرافياً، بل كائن حيّ ينزف. فالموصل، والبصرة، وذي قار، وشط العرب، كلّها تتحوّل إلى شخصيات شعرية. يقول:

" يا موصلي أم الربيعين "

(إنتماء لعشق قديم، ص2)

ويقول:

" البصرة ... صباح عراقي"

(البصرة صباح عراقي، ص1)

إنّ هذا التوزيع المكاني يمنح النص بعداً وطنياً شاملاً، ويجعل العراق كله جسداً واحداً. كما أنّ إستحضار المدن بهذه الحميمية يذكّر بما قاله غاستون باشلار عن "جماليات المكان"، حيث يصبح المكان مستودعاً للذاكرة والعاطفة.

اللغة: بين الفصحى التراثية والحداثة التعبيرية

تمتلك النصوص لغة هجينة تجمع بين الجزالة التراثية والإنفعال الحداثي. فنجد ألفاظاً تراثية مثل العيس، القراب، الوجد، السناء، النائبات، إلى جانب تعابير حديثة  منظمات الهجرة، صناديق: الإقتراع، مذكرات القبض وهذا المزج يمنح القصيدة نبرة خاصة تجمع بين الرثاء القديم، والاحتجاج المعاصر.

كما أن الشاعر يوظف التناص القرآني بكثافة، مثل قوله:

كل من عليها فان //

(واقعة الطف، ص1)

وقوله:

/ وما أدراك ما سقر /

(مواسم اللقاء، ص5)

وهذا التناص يضفي على النص سلطة روحية ودلالية عميقة.

على الرغم من غنى التجربة وصدقها الشعوري، فإنّ المجموعة تقع أحياناً في بعض المآخذ الفنية، من أبرزها:

الإفراط في المباشرة الخطابية

ففي بعض النصوص تتراجع الشعرية لصالح الهتاف السياسي، كما في

الحكام قوادون //

(نهارات الفجائع، ص1)

التكرار الدلالي للثيمات

إذ تتكرر مفردات: العطش، الخراب، الموت، السراب، بصورة قد تؤدي أحياناً إلى تشابه النصوص.

 

الإسترسال الإنشائي

بعض القصائد كان يمكن أن تكون أكثر تكثيفاً، لأنّ الشعر ـ كما يرى النفري ـ " كلما إتّسعت الرؤية ضاقت العبارة "

ومع ذلك، فإنّ هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة العامة للمجموعة، بل تؤكد أنّها كتابة مشتعلة بالتجربة أكثر من إنشغالها بالصنعة الباردة. إنّ هذه المجموعة تمثل وثيقة شعرية عراقية بإمتياز، فهي لا تكتب الألم بوصفه حالة فردية، بل بوصفه مصيراً جماعياً. وقد نجح الشاعر في تحويل الرموز الدينية والتاريخية إلى طاقة إحتجاجية معاصرة، وصاغ من العطش العراقي ملحمة شعرية تمتدّ بين كربلاء والموصل والبصرة.

إنّها قصائد تُشبه ـ بتعبير محمود درويش ـ "محاولة إصلاح العالم بالكلمات"، لكنّها تدرك في الوقت نفسه هشاشة هذا الإصلاح وسط الخراب الكبير.

التقدير النقدي العام:

وهي مجموعة تمتلك:

صدقاً شعورياً واضحاً،

ووعياً رمزياً متماسكاً،

وصوراً شعرية مؤثرة،

وصوتاً عراقياً حزيناً ومميّزاً في قصيدة النثر المعاصرة.

الورقة الأولى: البنية الرمزية بين كربلاء والوطن

تقوم معظم نصوص المجموعة على رمز مركزي هو العطش فالعطش لا يظهر بوصفه حاجة جسدية، بل بوصفه حالة وجودية ووطنية.

في قصيدة واقعة الطف نقرأ:

 / وهذا الرضيع بلا ماء...

لا تزال زينب بلا مأوى...

والصحراء تشدو بالآه... /

ثم يعود الرمز نفسه في العطش والثورة:

/ وطني عطش قديم ...

والماء فيه سراب... /

ويظهر في صدى الحناجر:

/ لا تزال هذه الحناجر ظمأى /

هذا التكرار ليس تكراراً لفظياً فحسب، بل يمثل البنية العميقة للنصوص؛ إذ تتحول كربلاء إلى مرآة للعراق المعاصر، ويتحول الحسين إلى رمز لكل مظلوم أو مغدور أو مهمّش.

ومن أبرز نجاحات المجموعة أن الشاعر لا يكتفي باستحضار الحدث التاريخي، بل يجعل منه أداة لقراءة الحاضر:

/ كم حسين يموت عطشاً /

يموت علناً

يموت خلساً /

وهنا تنتقل القصيدة من الرثاء التاريخي إلى الإحتجاج الإجتماعي والسياسي.

نرى في الورقة الثانية: الماء والسراب... المعجم الشعري المهيمن

إذا أردنا إستخراج الحقل الدلالي الأكثر حضوراً في المجموعة فسنجد

الماء، النهر، دجلة ، الشط ، زمزم ، المطر ، السراب ، العطش. 

وهو معجم يتكرّر بصورة لافتة

في سراب يقول:

 العشق ممنوع في وطني /

والعاشق مقتول /

ثم يختم:

 مات العاشقون عطشاً //

وفي عتاب إلى دجلة الوحش:

/ ما عاد ماؤك يطفئ آهتي /

ولا يروي بساتيني /

وفي شهيد على الماء:

/ كان للحسين في حبك إشتياق /

أمّا في تراتيل على ضفاف شط العرب فيتحول الماء إلى مساحة جمال

/على ضفافه صفت النذور /

إنّ الماء هنا ليس عنصراً طبيعياً، بل رمز للحياة والعدالة والخلاص

لكن كثافة هذا المعجم تتحول أحياناً إلى نقطة ضعف، إذ تتكرّر مفردات:

العطش، السراب ، الحزن ، الخراب ، النواح. 

في عدد كبير من النصوص حتى يفقد بعضها عنصر المفاجأة الشعرية.

فالقارئ بعد عدّة قصائد يبدأ بتوقع الصورة المقبلة قبل وصولها.

الورقة الثالثة: بين الشعر والخطاب

من أبرز القضايا الفنية في المجموعة التوتر بين الشعرية والخطابية.

حين يترك الشاعر الصورة تعمل وحدها يحقّق نتائج جميلة جداً.

مثال ذلك من خميس المقابر:

 خميسنا كان نزهة المشتاقين //

 واليوم خميسنا مأتم في ديارنا //

هنا الصورة مؤثرة ومكتفية بذاتها.

وكذلك في مرايا الذاكرة:

 إشتقت لوجهي الذي لا أراهُ في مرآة //

إنّها جملة شعرية مكثفة تحمل أبعاداً إنسانية واسعة

لكن في مواضع أخرى تتحول القصيدة إلى خطاب سياسي مباشر مثل:

  أو: "الحكام قوادون"

/ مدينتي اليوم يحكمها النخاسون /

وهنا تغلب الفكرة على الشعر

فالقصيدة تصبح بياناً إحتجاجياً أكثر منها بناءً جمالياً

ولذلك يمكن القول إنّ النصوص تبلغ ذروتها الفنية حين تعتمد الرمز والصورة، وتتراجع حينَ تتحول إلى خطاب مباشر.

الورقة الرابعة: المكان والهوية العراقية

العراق في هذه المجموعة ليسَ خلفية للأحداث، بل هو البطل الحقيقي للنصوص

نجد:

الموصل، بغداد، البصرة ، ذي قار، شط العرب، دجلة، آشور، بابل، سومر.

 

في قصيدة إنتماء لعشق قديم يقول:

/ يا موصلي أم الربيعين /

يا ذي قاري تاريخي ورقادي/

وفي شهيد على الماء:

"عراق بابل وآشور"

وفي مواسم اللقاء:

"يمر على آشور"

هذه الإشارات لا تأتي للزينة الثقافية، بل تؤسس لرؤية حضارية ترى العراق كياناً واحداً يمتد من سومر وآشور إلى الحاضر.

ومن أجمل ما في المجموعة هذا الحس الوحدوي الذي يتجاوز الإنقسامات الضيقة.

فالعراق عند الشاعر:

ذاكرة ، حضارة ، عشق ، وألم دائم ، في آنٍ واحد.

الورقة الخامسة: السمات الأسلوبية والتقييم العام

تمتلك المجموعة رؤية واضحة تقوم على:

الإنسان المقهور

الوطن الجريح

الحنين إلى الخلاص

ثراء الرمز

خصوصاً رموز:

الماء، العطش ، كربلاء ، النهر ، حضور المكان. 

الموصل والبصرة ودجلة وشط العرب تتحول إلى شخصيات حية داخل النصوص.

الصدق العاطفي

القارئ يشعر أن النصوص مكتوبة من تجربة معيشة لا من تأمل ذهني مجرد.

بصيغ متقاربة في عدد كبير من النصوص.

بعض القصائد كان يمكن أن تكون أكثر قوة لو حُذفت منها المقاطع التفسيرية

في مواضع عديدة تتراجع الشعرية لصالح الشعارات والإحتجاج المباشر

نجد أحياناً مقاطع عالية الشعرية جداً، وأخرى أقرب إلى النثر الصحفي أو الخطابي

تمثل هذه المجموعة تجربة شعرية عراقية معاصرة تنتمي إلى قصيدة النثر ذات البعد الرمزي والوطني والمحور المركزي فيها هو العطش بوصفه إستعارة كبرى للعراق والإنسان وقد نجح الشاعر في بناء عالم شعري تتجاور فيه كربلاء مع الموصل، والحسين مع المواطن المعاصر، ودجلة مع ذاكرة الوطن الجريح.

إن أجمل ما في هذه النصوص ليس إحتجاجها السياسي، بل قدرتها على تحويل الماء والسراب والعطش إلى لغة رمزية تكاد تشكل هوية خاصة بالشاعر، حتى يمكن القول إنّهُ يكتب العراق من خلال صورة واحدة تتكرر بأشكال متعدّدة إنّه وطن يقف دائماً على ضفة الماء، لكنّه ما زال: عطشاناً.