للذهاب الى صفحة الكاتبة   

ثلاثية الأسطورة والدين والتاريخ

أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة)

الأردن

 

يتعذّر أن نتحدث عن الأسطورة ونشأتها دون الحديث عن علاقتها بالدين، فكثير من الباحثين يرون أنّ الأسطورة تحكي تاريخاً مقدّساً، أو أنّها ظاهرة لا يمكن تفسيرها من دون ربطها بمقولة الدين، أيّ لا يمكن تفسيرها حرفياً أو اجتماعياً أو نفسياً أو اقتصادياً فقط، ويقود هذا التعريف إلى التفريق الكامل بين الأسطورة وغيرها من الأنواع الأدبية التراثية والنصوص غير المقدّسة.

بل إنّ بعض علماء الانثروبولوجيا يرون "أنّ لفظة أسطورة لا تنطبق إلاّ على ما نبع عند البدائيين من حكايات لإرضاء حاجات دينية عميقة، أي أنّها تعبير ديني اجتماعي، وإن كان البعض يرون أنّ الأساطير وإن كانت تلامس الدين إلاّ أنّها لا تضمن أيّ شكل من أشكال القسر أو الإلزام.

وإن كان البعض أمثال أليكسي لوسيف يصمّمون على الاستقلال الفكري للأسطورة بغض النظر عن البعد الوظيفي الديني لها، إذ يقول: "الأسطورة بذاتها، الأسطورة الصرفة قائمة بذاتها، ليست مضطرة على الإطلاق في أيّ حال من الأحوال لأن تكون من حيث المبدأ دينية.

فهو يعتقد أنّ الأسطورة كلٌّ حياتي واحد قائم بحد ذاته لا يقبل التجزيء، فهي "دينية بالغة الصرامة والتحديد، وهي لذلك مقولة ضرورية للإدراك وللوجود عموماً.

ويُطلق على الأسطورة التي تتضمّن مواضيع دينية الأساطير الدينية. وقد تتخذ القصص الدينية ملامح أسطورية في الآداب التي تتضمّنها، بعد أن تأخذ الآداب منها ما يفيد طريقتها. وقد تأخذ القصص الدينية طريقها إلى أمّة أو أخرى كما في قصة طوفان نوح مثلاً، ومجمل قصص الخلق والكون والإنسان.

ويغلب الظن أن الجانب الروحي المختفي وراء الأسطورة هو الذي يقرّبه من الدين، بل يمثّله الدين، لا سيما عندما تحمل الأسطورة بعض الدلالات الدينية التي يعرفها كلّ من يؤمن بها، وبذا تغدو الأسطورة هي المنجز المعرفي الروحي للدين، وصولاً إلى ظهور طقوس شكّلت الدين فيما بعد.

 

وقد كانت المجتمعات البدائية في مرحلة تكوّن الأساطير تملك نوعاً من الإيمان الفطري ووحدة العقيدة، ثم غدت الأسطورة مع تطور المجتمعات تعبيراً عن مختلف الأفكار السياسية والاجتماعية والأخلاقية والفلسفية.

وفي ضوء ذلك أكّدت كثير من الدراسات الدينية إننا لا يمكن أن نفهم الإلياذة مثلاً على أفضل وجه إلاّ بالنظر إليها على أنّها روائية لتاريخ مقدّس، ولا يمكن تفسيرها حرفياً. إذ إنّ اليونانيين أخذوا أساطيرهم بجدية؛ لأنّهم آمنوا بأنّ الآلهة مسيطرة على القوى الطبيعية، ولذلك أخذوا يتوسلون إليها ويدعونها لتبعث لهم الخير، وتبعد عنهم الشر، وأخذوا يقدمون لها القرابين، ويبنون أجمل الأغاني مادحين فيها آلهتهم.

وتلك العلاقة الحديثة بين الدين والأسطورة أثارت اهتمام الدارسين، ودفعت لويس سبنس إلى أن يعرّف الأساطير بقوله: إنّه علم يُعنى بدراسة الدين أو شكل من أشكاله الأولى عندما كان حقيقة معاشة.

وانطلاقاً من هذا القول كانت الأسطورة تقدّم مادة معرفية مقترحة أو حكاية متداولة تفسّر الظاهرة الدينية أو فوق الطبيعة كالآلهة والأبطال وقوى الطبيعة، وتتعلّق بكائن خارق، أو حادثة غير عادية، سواء أكان لها أساس واقعي أم لم يكن.

وتختلف مكانة الأسطورة باختلاف أشكال التراث في المجتمع، ومع أنّها قد تتعارض مع بعض التراث الديني إلاّ أنّها تبقى لصيقة به في ذلك المجتمع.

وهناك أساطير وُجدتْ لتعليل شعائر محدّدة. وقد جرتْ على هذا الأساس دراسات عدة تؤكد الروابط بين الشعائر والأساطير المتّصلة بها.

والحقيقة أنّ الشعائر والطقوس هي الجانب العملي لأيّ يدين، وقد ترتكز تلك الشعائر على الأساطير؛ كونها المادة الحياة التي يعرفها المتعبّد. وقد تمارس الطقوس لأزمنة طويلة عبر ممارسة يومية أو دورية أو موسمية في حين تُنسى الجذور السببية للطقوس.

ونستطيع القول بالملخص أنّ الأساطير هي المستوى الفكري من العقيدة الوثنية، في حين الطقوس هي المستوى العملي لها. "فالطقس ما يُعمل، وما هو مناسب، وما يُقال في حين الأسطورة هي المنطوق المتعلق بطقس يمثل، وهي بذا جزء قولي مصاحب للطقوس.

وطقوس الدفن، وتلقين الميت، وتقاليد الزواج، وتقديم الأضاحي، واحتفالات التعريف بالأسرار المقدسة في مختلف المجتمعات مثال على ما نحن في صدده.

وبذلك نستطيع القول إنّ ممارسة الإنسان الأول لطقوس مبادئه الدينية ما هي إلاّ محاولة لاستعادة أوليات انتمائه إلى المطلق في الوجود، وهي طريقة لإلغاء الزمان التاريخي، ولاستعادة الزمان الأسطوري، في فكر يربط العالم بحدث أولي ظهر في أقدم الأزمان، وإنّ ما يُمارس من طقوس ما هو إلاّ محاولة تكرار نموذج مثالي أسطوري. ويعتقد الدارسون للأساطير أنّ الإنسان الأوّل إنّما كان يؤدّي الطقوس استرضاءً لقوى الطبيعة، ويحتجّ هؤلاء بذلك التشابه القائم بين الأساطير القديمة، أيّ تشابه الدوافع التي أنتجتها.

فالمجتمعات الأسطورية القديمة وفق رأي جيمس فريزر اعتقدت بوجود وسائل تمكّنهم من اتقاء شرور الطبيعة أو تكيفها حسب حاجتهم بفن السحر، لذا قاموا ببعض المراسم وقرأوا الرقى والتعاويذ السحرية؛ ليحثوا المطر على السقوط، والشمس على الإشراق، والحيوانات على التكاثر، وفواكه الأرض على النمو. ولكن شعوره بالضعف أمام الطبيعة ظلّ يطارده على الرغم من التقدّم الذي أحرزه تدريجياً في تطويعها، لذلك فقد لجأ إلى خلق أداة فذّة لتجاوز الاستسلام، وكانت تلك الأداة الاستثنائية هي الأسطورة.

وبذلك نستطيع أن نخلص إلى نتيجة مفادها أنّ استقرار الإنسان، وحاجته للسيطرة على عوامل الطبيعة هو ما أظهر حاجته إلى السحر، الذي كان طريق العلم الأوّل. وقد جاء خط معادلة السحر والأسطورة والعلم كالتالي: السحر... الأسطورة... الفلسفة... العقل... العلم، وإنّما سبق السحر الأسطورة على الرغم من أنّ الأسطورة تتقدّم مراحل الفكر جميعها باعتبارها أوّل جواب عن سؤال الإنسان عن أمور حياته وكونه. إنّ السحر لم يكن له أصل، حيث أنّه لم يُكتشف أو يُخترع، بل كان موجوداً حسب اعتقاد الجماعات البدائية مع وجود كلّ الأشياء والظواهر التي رافقت البشرية منذ بدء الخليقة لا سيما أنّ السحر كان له وظيفة اجتماعية واكبت الأسطورة في النشأة؛ لتغدو كذلك ذات طقوس شأنّها شأن الأسطورة الدينية.

ومن أوجه الشبة بين الطقوس السحرية والطقوس الدينية، أنّهما معنيان بالظواهر غير العملية: أيّ بالمجال الذي يتعدّى دور التّصور الواقعي إلى المجال المجهول غير الخاضع للحسّ أوالقياس، كما أنّ معاني الطقوس السحرية أو الدينية تكتسب الجِدّة، بسبب ارتباطها بالنشاطات الروحية.

 والإطار الزمني الذي تنسب إليه حوادث الأسطورة مختلفٌ تماماً عن الزمن التاريخي للتجربة الإنسانية، ويعود في غالب الحالات إلى سالف العصر والأوان، ويُعتقد أنّ التاريخ في المجتمعات الإنسانية قد حلّ محلّه الأساطير، وهو يؤدي نفس الوظيفة، ولذلك فإنّ التاريخ ليس منفصلاً عن الأسطورة، بل هو استمرار لها.

في حين أنّ الأسطورة هي تسجيل مبسط لوقائع وأحداث وأمنيات وفهم الأسطورة فهماً صحيحاً يقتضي إحاطة واسعة بتاريخ الأمة أو الدولة التي ظهرت فيها، وبجغرافيتها وبأحوالها الاجتماعية. فالإسطورة والتاريخ ينشآن عن التوق إلى معرفة أصل الحاضر، ولكنّهما يفترقان في القيمة التي نسبغها على ذلك الأصل. فهو أصل قُدسي عند الأسطورة، وأصل دنيوي مفرغ من الأسطورة عند التاريخ. وبتعبير آخر، فإنّ الأسطورة تنظر الى التاريخ باعتباره تجلٍّ للمشيئة الإلهية، أمّا التاريخ فينظر إلى موضوعه باعتباره تجلٍّ للإرادة الإنسانية في جدليتها مع قوانين فاعلة في حياة الإنسان الإجتماعية، وهذا يعني أنّنا أمام نوعين من التاريخ: تاريخ مقدّس، وتاريخ دنيوي .ويتضحّ من دراسة الأساطير المختلفة أنّ الفكر الأسطوري توصّل في مراحله الأولى إلى الربط بين الحوادث التاريخية والظواهر الكونية، ومع انتقال البشر إلى حياة الاستقرار تعزّز ارتباطهم بالأرض، وتعزّز تصوّرهم لوحدة القبلية والجنس، وظهرت إلى الوجود عبارة الأسلاف والأساطير التي تروي مآثرهم (الأساطير التاريخية)، ثم حلّت محلّها أساطير الآلهة والأرباب السابقين (نشأة الكون وأصل الآلهة)، وانتهت محاولات تحرّي المستقبل والحياة بعد الموت إلى ظهور أساطير الأخرويات.

وقد تقلّص الاهتمام بالبعد التاريخي للأسطورة شأنّه شأن تقلّص الاهتمام بالأسطورة منذ ازدهار نظرية النشوء والتّطور في نهاية القرن التاسع عشر، ولكنّه عاد إلى الأضواء مع مطلع القرن العشرين على يد علماء الأنثروبولوجية واللغات، وتبع ذلك دراسات نفسية معمّقة وتطوير مناهج علم الاجتماع والانتروبولوجيه والدراسات الفلسفية والتاريخية. وظهر أصحاب المدرسة الذين يجدون وشائج حقيقية بين ما ترويه الأساطير وما يرويه التاريخ، "فأصحاب هذه النظرية يذهبون إلى أنّ الوقائع التي ترويها الأساطير هي وقائع تاريخية احتفظت بها الذاكرة البشرية لفترة طويلة قبل أن يكتشف الإنسان الكتابة، وعزّز هؤلاء نظريتهم بالقول إنّ عدداً غير قليل من الأساطير القديمة هو نوع من التدوين البدائي للتاريخ، بمعنى أنّه يحتفظ في داخله ببعض الحقائق التاريخية الموغلة في القِدَم.

فالأسطورة ليست بدعة أو وهم، بل هي مقولة جدلية ضرورية للوعي والوجود عامة". وفي ضوء ذلك رأى الكثير من أصحاب هذه المدرسة أنّ كثيراً من مدونات القرنين السادس والخامس قبل الميلاد كانت تنزع إلى تحديد "تاريخ" لما يرويه، وأنّ التمييز بين التاريخيين الأسطوري والتاريخي تمييز معاصر.

وقد تابع بعضهم القول إنّه كان ثمة شيء من التاريخ في بعض الأساطير، فهو شبيه التاريخ "الذي لا يسجل ما حدث، بل ما حسبه الناس، أو اعتقدوا في أوقات مختلفة أنّه قد حدث، أو هو تاريخ متنكّر "فآلهة الأساطير رجال تجمّع حولهم ضباب الزمان والخيال، فضخّمهم، وصوّر أشكالهم حتى خلع عليهم صفة القداسة، بل أنّه قد ساد الاعتقاد زمناً في عصر النهضة أنّ الأساطير الدينية الوثنية هي تحريف للوحي التوراتي، ولم يتغيّر هذا الاعتقاد إلاّ عندما سنحت لهم فرصة للإطلاع على حضارات مصر والشام والرافدين وبلاد الشرق وشعوب أمريكيا، وتعرّفوا على أساطيرها.

 وقد علّل أحد أقطاب مدرسة البعد التاريخي للأسطورة مرسيا الياد موقفه من تاريخية الأسطورة بقوله: "إنّ ذكرى حدث تاريخي، أو شخصية حقيقية لا تدوم في الذاكرة الشعبية أكثر من قرنين أو ثلاثة، وتُعزى تلك الظاهرة إلى كون الذاكرة الشعبية تجد صعوبة في الاحتفاظ بالأحداث الفردية وبالوجوه الحقيقية، أنّها تعمل على نسق مغاير وبواسطة بُنى مختلفة، فتحتفظ بالأصناف بدلاً من الأحداث، وبالنماذج القديمة بدلاً من الشخصيات التاريخية".

 وبذلك تغدو الأسطورة تاريخياً يفتقد المنطق التاريخي الموثوق، بل هو تاريخ ضمن أنساق إدراكية أخرى أنتجتها الذاكرة الإنسانية، وأنتجتها ضمن بُنى مختلفة، وخلعت عليها رداء الأسطورة، وجعلت منها أسطورة مؤرخة –إن جاز القول- للتاريخ المفترض.