ارشيف مقالات وآراء
• ظاهرة التدشين في الجامعات الفرنسية -//- د. تارا أبراهيم
- تم إنشاءه بتاريخ الجمعة, 02 تشرين2/نوفمبر 2012 08:46
- الزيارات: 1817

د. تارا أبراهيم
ظاهرة التدشين في الجامعات الفرنسية
بدأ الموسم الدراسي الجديد في فرنسا وفتحت الجامعات أبوابها ,ويندفع طلاب المرحلة الأولى الذين ألتحقوا بالمقاعد الدراسية بكل لهفة وشوق للتعرف على عالم جديد ذي نظام مختلف تماما عن نظام دراستهم السابقة في المدرسة الثانوية الا انهم يجهلون ماهو مخبا لهم من قبل اقرانهم من طلاب المراحل المتقدمة في الجامعة.
وكالمعتاد تستقبل الرابطات الطلابية طلاب المرحلة الأولى للتسجيل في الجامعات وتستمر الاجتماعات معهم من قبل الهيئة التدريسية لتهيئتهم على احسن مايكون للحياة الجامعية، وفي الوقت نفسه تزداد الحفلات الجامعية والتي تسمى "حفلات التعارف" التي لاتمت الى التعارف بصلة في أجواء الموسيقى الصاخبة والمشروبات الكحولية والمخدرات التي يتعاطونها في الخفاء.ففي هذه الحفلات يمارس طلاب المراحل المتقدمة مايسمى بظاهرة التدشين أو التعميد على طلاب المراحل الأولى علامة على دخولهم الى عالم جديد أو تبني عادات وتقاليد جديدة !! فما هي هذه الظاهرة وبماذا تتمثل؟
ظاهرة التدشين حسب تعريف محكمة العدل العليا للجمهورية هي سلسلة من الأحداث التي يستغل فيها طلاب المراحل المتقدمة بل ويسيئون معاملة الطلاب الجدد لخبرتهم ومعرفتهم الجيدة للبيئة الجامعية حيث يحاولون ارغامهم وهم في موقف ضعف على القيام بأشياء مذلة ومتنافية مع القيم الجامعية والأخلاقية، فتحت تأثير هؤلاء لايستطيع الطلاب المبتدئين الا القبول خوفا من نعتهمبالجبن وبالتالي عدم قدرتهم على التأقلم في الجو الجامعي بل ربما يأخذ المنحى ابعد بحرمانهم من المشاركةفي الفعاليات الجامعية بشتى أنواعها.
ان ظاهرة التدشين ظاهرة متعارف عليها وخصوصا في الجامعات الراقية ذات السمعة المرموقة محليا ودوليا، ويمكن أن تتمثلباجبار الطلاب على أرتداء ملابس مضحكة أو تعرية خلفياتهم للرسم عليها..الخ من التصرفات المذلة لطلاب المرحلة الأولى الذين ينقادون لفعل ذلك كالخرفان، لقد تناقلت وسائل الأعلام المختلفةبشكل مسهب ما حدث في العام الماضي في جامعة ( باريس دوفين )حين تمت كتابة أو غرز شعار الجمعية الطلابية بالدم على ظهر طالب مخمور في المرحلة الأولى، والذي رفع شكواه أمام المحكمة ضد هذا التصرف المشين.
أما عواقب هذه الظاهرة فهي معرفة بالمادة 255-16-1 من قانون العقوبات كالآتي ( باستثناء حالات العنف أو التهديد أو الأعتداء الجنسي، اجبار أي شخص بالرغم منه على القيام بأعمال مذلة أو منحطة في مناسبات أو اجتماعات متعلقة بالبيئة الجامعية أو الاجتماعية التعليمية، يعاقب عليها بالسجن لمدة 6 أشهر و يغرم 7500 يورو). أما بالنسبة للحالة السابقة للطالب المخمور، فقد ذهبت المحكمة بعيدة في حكمها بطرد طالب من الكلية وفصل آخرين لمدة سنتين.
فعلى الرغم من التراجع العددي لظاهرة التدشين حسب اللجنة الوطنية المناهضة لها الا أن هذه الظاهرة مازالت مستمرة بل وتزداد سوءا في بعض الأحيان مؤدية الى الموت، ففي احدى هذه المناسبات تم اجبار أربعة طلاب على احتساء كمية كبيرة من الخمر وفي طريق العودة الى منازلهم استلقوا على السكك الحديد لسير القطارات دون وعي ليغطوا في نوم عميق لتتمزق بعدها أجسادهم تحت عجلات القطار السريع. وللحد من هذه الظاهرة ، يرسل وزير التعليم العالي في كل عام كتابا يتضمن التعليمات الى عمداء الكليات ومسؤولي المؤسسات التعليمية لتحذيرهم و حثهم على ان يكونوا يقظين أزاء ذالك الا أن البعض منهم يغض النظرعن هذه فعاليات ، وهنا تأتي صرامة الوزارة في معاقبة العمداء ان لم يتصرفوا بجدية، فقد تم فصل عميد كلية الطب في مدينة (أميان) لانه كان مرنا في عقابه لطلاب شاركوا في ظاهرة تدشين أخذت طابعا جنسيا عام 2008.
مع أن الكثير من طلاب المرحلة الأولى تمارس معهم هذه الظاهرة فالقليل منهم يلجأ الى القضاء لرفع دعوة بذلك , لخشيته أن يعاد تدشينه أو اقصائه من قبل الطلاب الآخرين أو منعه من مشاركتهم الحياة الجامعية مما يؤديفي النهاية الى ترك الجامعة، الصمت هو الغالب عادة في مثل هذه الحوادث، وحتى ان قام الطالب بالشكوى، سرعان ما تغلق قضيته لعدم وجود من يدلي بشهادته لصالحه ، لكسر قانون الصمت أولياء الامورهم الذين يلجأون الى القضاء أو الى اللجنة الوطنية لمكافحة التدشين بسبب النتائج النفسية التي تتركها هذه الظاهرة على أولادهم.
علما أن ظاهرة التدشين ليست بالجديدة على الجامعات الفرنسية حيث يعود تأريخها الى القرن الحادي عشر ولكنها اختفت بعد الثورة الفرنسية لتظهر من جديد عام 1804 وخصوصا في الكليات العسكرية وكليات الطب والفنون الجميلة ومن ثم اختفت في الستينيات لتظهر مجددا في الثمانينيات من القرن الماضي ولتستمر حتى وقتنا الحاضر.
د. تارا أبراهيم – باريس
المتواجون الان
409 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

