ارشيف مقالات وآراء
نهري هو وطني// د. تارا إبراهيم
- تم إنشاءه بتاريخ الأربعاء, 30 كانون1/ديسمبر 2015 20:01
- كتب بواسطة: د. تارا إبراهيم
- الزيارات: 2255

نهري هو وطني
د. تارا إبراهيم
قبل عدة ايام، شاهدت عبر احدى القنوات الفرنسية برنامجا يتحدث عن نهر صغير يجري في احدى قرى فرنسا الصغيرة، الامر قد يبدو للوهلة الاولى عاديا ولكن من خلال التعمق في الفكرة وجدت ان هناك مضمونا آخر يود هذا البرنامج ايصاله .
تحدث البرنامج عن حياة اشخاص يقطنون قرب هذا النهر وفلسفتهم التي تبنوها في حياتهم .. فنان اتخذ النهر ملاذا له وبنى ورشة عمل كون النهر ملهمه الوحيد، وصاحب مطعم من جيل ماض مسرور بمطعمه قربه، مهندس استخدم وسائله العلمية للحصول على الماء لمنزله منه، ساعي البريد يجوب القرية بحثا عن عناوين، راعي اغنام يرعى قطيعه على ضفافه.
كل فرد كانت لديه رؤية خاصة ومشاعرعميقة لدى التحدث معه بل الكل يشترك في شيء واحد وهو شعور بالانتماء لهذا النهر الصغير الذي جلب افكارا لتأسيس مشاريع لمزاولة حياتهم، دفء مشاعرهم ورقي احاسيسهم لدى وصف النهر، جلب انتباهي الى حد التعلق به والولع بتاريخه والاحداث التي حدثت فيه وعلى جانبيه، صيفا، خريفا، شتاء وربيعا ...يبدو ان هذا النهر يجلب الطمأنينة والهدوء الى نفوس هؤلاء الناس ويشعرهم بحب الحياة اكثر من غيرهم.
النقطة التي اثارت اهتمامي هي انه في وطن كبير وقرية بسيطة ونهر صغير جدا، نجد اناس راضين بما لديهم من ابسط الاشياء، اناس يشتركون بعمق انتمائهم لشيء ليس بمادي او معنوي فقط.. بل بنهر معطاء يجري في الطبيعة لايملكه ولا يتملكه احد. بساطة فكرة هذا البرنامج ومضمونه المطروح امر يبعث على التفكير والتفكر والفلسفة والتفلسف، بل ويجعلنا نعيد حساباتنا لنفكر ونتساءل ترى هل لدينا هكذا نهر في حياتنا يمنحنا ما يمنحه لهؤلاء الاشخاص من غنى ودفء مشاعر؟!
نهرهم هو موطنهم يلجأؤون اليه لانه يمنحهم الحب والطمأنينة، الامن والسلام، السلام الروحي الذي يمنح المرء القوة لمواصلة هذه الحياة، على الرغم من ظروف الحياة المادية الصعبة ولكن كل شخص كان ملتزما بل ومصرا على البقاء والاستمرار فيه مهما حدث او قد يحدث!!.
بعيدا عن كل اعتقاد ديني أو سياسي، هذه الاعتقادات التي غيرت موازين الدنيا جميعها وبعيدا عن جميع التناقضات في كل ما يمكن الانسان ان يتخيله من مبادئ وقيم واراء، نقول: هل لدينا شبيه هذا النهر؟؟ أو شيء ما نتمسك به ونحس بالانتماء اليه بعيدا عن كل الخلافات والاختلافات؟ ان لم يوجد هذا النهر الآن، فهل سيتواجد في المستقبل؟ وهل ستقوم كل مجموعة أو طائفة ببناء سد عليه لتحجزه وتحتكره لنفسها فقط؟! ام سيأتي غريب من بعيد ويدعي ملكيته للنهر؟! سيناريوهات واردة خصوصا في مجتمعاتنا التي فقدت الامل في ان تجد مثل هذا النهر !! .
النهر هو مثال رمزي لاغير وقد يعبر عن كثير من الاشياء في حياتنا الراهنة والاوضاع غير الطبيعية التي تمر بها مجتمعاتنا من حروب وخداع وفتنة وقتل وتهجير ودمار وفقر وخراب وفساد طال ابناء الشعب الواحد الذين باتوا بدورهم لايطيقون بعضهم البعض ولايودون ان يجدوا الحل، او ليست لديهم الرغبة حتى في البحث عن هذا النهر المخلص..
الانتماء الى شيء ما، هو شعور بسيط جدا لكنه معقد ايضا، لايستطيع المرء تفسيره، فالجميع، كما الناس في قصة النهر، الذين لديهم اراؤهم وتطلعاتهم الفردية من دون المساس باراء وافكار الآخرين ولكنفي الوقت نفسه يجمعهم امر واحد يؤمنون به وهو امر لا يزيل كيانهم بل يحتويهم ويمنحهم حس الأنتماء وحب البقاء.
في نهاية هذا العام لم اجد الا هذه الرسالة التي هي بسيطة المضمون وبديهية المنطق ولكنها ضرورية والجميع بحاجة اليها، نداء يدعو الجميع الى التماسك والتمسك بأمر يمنح القوة والسلام... رجاء يدعو الى الانتماء والايمان بكل ما يوحد ولا يفرق... فليكن لنا نهرنا كما لهؤلاء... وليكن لنا وطننا وان كان صغيرا ليجلب لنا الراحة والهدوء والمحبة والأمان. وبخلافه ليس لنا إلا التقسيم والجيرة الحسنة، وآخر الدواء الكي ..
وكل عام وانتم بألف خير
عن مجلة/ صوت الآخر –أربيل
المتواجون الان
433 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

