اخر الاخبار:
إنزال جوي عراقي في سوريا - الخميس, 18 كانون1/ديسمبر 2025 20:11
غداً.. أمطار وضباب في 12 محافظة عراقية - الإثنين, 15 كانون1/ديسمبر 2025 19:48
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

تحليل نقدي موضوعي لكتاب "هي والآخر" للدكتور باسم عبد علوان// د. صالح الطائي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. صالح الطائي

 

عرض صفحة الكاتب 

تحليل نقدي موضوعي لكتاب "هي والآخر" للدكتور باسم عبد علوان

الدكتور صالح الطائي

 

لأنه ابتدأ مع الأدب، كنت أنتظر أن يصدر الدكتور البيطري باسم عبد علوان رواية أخرى بعد روايته الأولى "سلام لم يعد يغني"، إلا أنه فاجأني، فأهدى إليَّ كتابا صغيرا في حجمه، ظننته كتابا أدبيا نثريا، جاء مكملا للكتاب الأول، ولاسيما بعد أن قرأت في أولى فقراته قوله: "فإن القيمة الحقيقية لا تنبع من العنصر ذاته فقط، بل من ندرته، فكل ما هو شائع ومتوفر يفقد سحره، بينما تزداد قيمة الأشياء كلما أصبحت أكثر ندرة وصعبة المنال".

ولأني أحب بساطة أسلوب الدكتور وواقعيته فقد ارتأيت أن أكمل القراءة، فإذا بي أفاجأ بكتاب من نوع آخر، وجدته كبيرا في معناه لا علاقة له بالرواية والأدب رغم أسلوبه الأدبي الرشيق، وإنما جاء كإضافة علمية مهمة، أتمنى من كل قلبي أن تحظى بعناية المؤسسات العلمية والأكاديمية والبحثية، وان ينتبه النقاد لها.

 

قدم الدكتور باسم في كتابه "هي والآخر" دراسةً عميقةً حول دور الأمومة والذكورة، لا في الطبيعة وحدها، بل وفي المجتمع البشري، مع تركيز خاص على التطور البيولوجي والاجتماعي للعلاقات بين الجنسين.

ولقد وجدته اعتمد منهجية تحليلية تستند إلى أمثلة من عالم الحيوان والنبات، فضلا عن قراءة نقدية للتحولات التاريخية والاجتماعية الإنسانية التي شكلت دور المرأة والرجل تاريخيا.

وقد انماز الكتاب بالمنهجية العلمية والموضوعية، إذ أن الكاتب اعتمد على أمثلة بيولوجية متنوعة امتدت من الحشرات إلى الثدييات، بحكم كونه طبيبا بيطريا ليدعم بها فرضياته، وهذا أضفى مصداقيةً على تحليله ونتائجه. ولاسيما وأنه قدم رؤيةً متوازنةً ـ إلى حدّ كبير ـ حيث لم يُهمِل دور الذكور تماما، بل حلّل سياقات محدودة أسهموا فيها مثل بعض أنواع الطيور والثدييات.

 

وفي العمق التحليلي ناقش الكاتب بشكلٍ مفصّلٍ وواضح استراتيجيات الاختيار لدى الإناث في الطبيعة، سواء منها المباشر أو غير المباشر، وهذا سلط الضوء على تعقيد العمليات التطورية.

فضلا عن كونه تناول موضوعات حساسة مثل موضوع "الأبوة الشكلية"؛ التي تسمى أيضا الأبوة الاسمية أو الأبوة القانونية، وهو أن تُنسب البنوة لرجلٍ ما وفقا للشكل أو للعرف أو للنص القانوني، دون أن يكون هذا النَسب قائما على رابطة بيولوجية طبيعية حقيقية بين الأب والابن. ويستعمل المصطلح في علم الاجتماع لوصف علاقة رمزية أو تمثيلية، حيث يقوم شخص بدور الأب تربيةً أو حمايةً أو سلطةً من دون أن يكون هو الأب الحقيقي.

ومثل مصطلح "الوفرة الجنسية" هذين المصطلحين اللذين استخدمهما الكاتب بجرأةٍ وتحليلٍ منطقي. والوفرة الجنسية مصطلح يستخدم في الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية والنفسية، ويُقصد به حالة تتوفر فيها الإمكانات والظروف التي تجعل الوصول إلى العلاقات الجنسية ميسورا ومنفتحا، سواء على المستويين الفردي والمجتمعي.

 

ويعني بشكل عام الجنس الحر، أو جنسا غير محاط بالقيود الصارمة، بل متاحا بكثرة بفضل عوامل ثقافية، أو اقتصادية، أو تقنية. وهي قد تعني أن الفرد يعيش في بيئة يواجه فيها إغراءات جنسية متكررة، أو تتاح له خيارات متعددة للشركاء. لكنها لا تعني بالضرورة الإشباع الجنسي، إذ قد يؤدي فائض العرض أحيانا إلى القلق، أو السطحية في العلاقات، أو فقدان القيمة العاطفية للجنس.

ولهذا يرى بعض المفكرين أن الوفرة الجنسية غيّرت علاقة الإنسان بجسده ورغباته، فأصبحت الرغبة سلعة في السوق الاستهلاكي، وفقد الجنس قدسيته أو ندرته التي كانت تمنحه معنى عميقا. وقد أراد الدكتور استخدام هذا المصطلح لإثارة نقاش حاد حول: هل الوفرة الجنسية تزيد حرية الإنسان، أم تحوله إلى كائن استهلاكي محكوم بالشهوة؟

 

من هنا أرى أن الدكتور باسم نجح كثيرا في الربط بين البيولوجيا والمجتمع، بعد أن ربط السلوك البيولوجي بالتحولات الاجتماعية، مثل ظهور العفة، وتطور اللغة، ونشأة الحضارة، وهذا منح الكتاب بعدا إنسانيا عميقا.

كما أنه قدم نقدا اجتماعيا جريئا ولاذعا للنظام الذكوري، دون أن يقع في فخ التحيّز العاطفي، مستندا إلى أمثلة تاريخية واجتماعية واضحة.

وقد أضفى تناوله قضايا مثل الزواج والطلاق والعنوسة والتهميش الاجتماعي للمرأة بموضوعيةٍ كبيرة بعدا علميا على الكتاب، زاد من رصانة الطروحات الموجودة فيه. فقد اعتمد الكاتب على أمثلة متنوعة من المملكة الحيوانية مثل: الكنغر، النحل، الأسود، إلخ. والمملكة النباتية أيضا لدعم أفكاره، وهذا منح الكتاب مصداقيةً علميةً وجعل حججه مقنعة.

فضلا عن الربط الذكي بين السلوك الحيواني والسلوك البشري، وهذا يُظهر فهما عميقا للتطور البيولوجي والاجتماعي.

 

وبرأيي أن الدكتور باسم نجح لحد ما من خلال توظيف هذه الجوانب في تقديم معلومة علمية رصينة مبنية على استنتاجات ومتابعات بعضها جاءت نتيجة خبرته التراكمية في مجال الطب البيطري على مدى سنوات طويلة، وجاء الآخر بسبب تراكم الخبرات المعرفية.

 

لكن هذا لا يعني أن الكتاب خال من السلبيات التي أرى أن التعميم المفرط في بعض المقاطع كان أولاها وأهمها، فعلى الرغم من محاولة الكاتب تصوير الواقع بحيادية، إلا أن بعض فقرات الكتاب قد توحي بتعميم سلبي على الذكور، مثل وصفه لهم بأنهم "أنانيون" أو "مستغلون"، وهذا يضعف الحجّة العلمية في أغلب الأحيان.

فالكتاب في واقعه ينضوي على نقد جريء للذكورة والأنظمة الذكورية ونقدا لاذعا لدور الذكور في الطبيعة والمجتمع، معتبرا إياهم ككائنات مسيطرة وأنانية تسعى لإشباع غرائزها دون اكتراث بمصير النوع أو الشركة. وأنهم استغلوا القوة والسيطرة لقمع الأنثى وتحويلها إلى كائن تابع، مما أدى إلى تشويه العلاقات الإنسانية.

 

ويبدو لي أن الدكتور باسم ابن القرية، وابن النظام العشائري؛ الذي عايش ظلم المرأة في مثل هذه المجتمعات، كان يشعر بنوع من تأنيب الضمير، يشعره وكأنه المسؤول الأول عن هذا القمع، والمرشح للتصدي له، بل إن عليه أن يتصدى له ويحاربه بشراسة ليرفع الحيف والظلم عن المرأة، ولذا ركز على الأمومة كقوة محورية.

وبرأيي أن هذا الكتاب جاء تكريما لدور الأمومة؛ الذي يُصور على أنه أساس الحياة والاستمرارية البيولوجية والاجتماعية. وقد أشار الدكتور إلى أن الأمومة ليست مجرد وظيفة بيولوجية، بل هي نظام أخلاقي واجتماعي يضمن بقاء القيم الإنسانية مثل التعاون والحب والتضحية.

ورغبة في تحقيق هذا الهدف السامي النبيل تتبع الكاتب التحولات التي مرت بها العلاقة بين الجنسين الذكر والأنثى منذ العصور البدائية وصولا إلى العصر الحديث، ليوضح كيف أدت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية إلى تراجع دور المرأة، وتعزيز هيمنة الذكر.

كما أنه قدم رؤية نقدية لمفاهيم مثل الزواج والأبوة والعائلة، ودعا إلى إعادة النظر فيها. وهذا يتضح من خلال تقديمه نموذج شعب "الموسو" كبديل ناجح للمجتمعات الذكورية التقليدية، حيث تحظى المرأة بالحرية والاحترام وتُدار العلاقات بشكل تعاوني وغير قمعي.

وربما كان هذا هو السبب الذي جعل الكاتب يقع في فخ التعميم، حيث نجده يُصور جميع الذكور ككائنات أنانية وعديمة المسؤولية، بينما نراه وقد قدم الإناث على أنهن مخلوقات مثالية ومضحية. جاء هذا التبسيط الثنائي، لا دفاعا عن الذكر ولهذا أرى أنه أضعف مصداقية التحليل برأيي. إذ كان من المهم أن لا يكتفي بالنظر إلى العوامل البيولوجية والاجتماعية، وإنما كان عليه أن ينتبه إلى أثر العوامل الثقافية والدينية أيضا، فأنا أرى أنه تجاهل إلى حد كبير تأثير الدين والثقافة والتقاليد في تشكيل العلاقات بين الجنسين، ولاسيما في المجتمعات الشرقية.

ويخيل إليَّ أن هذا الاندفاع الوجودي لنصرة المرأة هو الذي جعل الكاتب يبدو واضح التحيز لصالح الأنثى، وهذا ـ في الغالب ـ يجعل القراء يشككون في موضوعية مثل هذه الدراسات. فالنقد المطلق للذكورة دون الاعتراف بأي إيجابيات قد يُعتبر غير متوازن.

كما أن التركيز على الجانب السلبي للذكورة، وتسليط الضوء على سلبياتها لا يُقدم حلولاً عملية أو رؤيةً مستقبليةً لكيفية إصلاح العلاقة بين الجنسين، وكان الأجدر التركيز على أسس الصراع وأسبابه، ومحاولة معالجتها.

هذا فضلا عن تركيزه على النموذج البيولوجي على حساب التعقيد الاجتماعي. فبالرغم من قوة الأمثلة البيولوجية التي ساقها الكاتب، وأكد عليها، إلا أن تحليله للمجتمعات البشرية كان في بعض الأحيان مبسطا خالٍ من العمق الفكري، ولاسيما عند مقارنتها المباشرة بالكائنات الأخرى. فالمجتمعات البشرية تتأثر بعوامل ثقافية ودينية واقتصادية وتاريخية معقدة لا يمكن اختزالها في نموذج بيولوجي بحت.

فضلا عن ذلك جاء الكتاب مترعا بمصطلحات غير شائعة استخدمها الكاتب بكثافة ظاهرة مما قد يُصعِّب فهم محتوى الكتاب على القارئ غير المتخصص بسبب كثرة تلك المصطلحات البيولوجية والاستشهادات العلمية دون شرحٍ كافٍ في بعض الأحيان، إذ أرى أن الكتاب كان سيصبح أكثر فائدة لو أن الكاتب شرح تلك المصطلحات والاستشهادات في الهامش لتُقرِّب المعنى للمتلقي.

ورغم أهمية الكتاب ومقدار الجهد الذي بذله الكاتب إلا أن غياب التوثيق العلمي الكافي كان علامة بارزة، فعلى الرغم من غنى المحتوى العلمي للكتاب، إلا أنه يفتقر برأيي إلى المراجع العلمية المباشرة أو الهوامش التوضيحية، وهذا يحد من قيمته الأكاديمية عادة، رغم أنه لا ينقص شيئا من قيمته الفكرية.

أما من حيث اللغة والأسلوب فقد انماز أسلوب الكتاب بالوضوح والقوة في معظم أجزائه، ولاسيما في المقاطع التحليلية، وقد جنح الكاتب أحيانا إلى الأسلوب الأدبي ربما لأنه كان اديبا قبل أن يكون باحثا علميا.

نعم شخصت هناك بعض التكرار في الأفكار والمفاهيم، ولاسيما في الفصول المتعلقة بدور الأمومة، وهذا مثلما هو معروف قد يُشعر القارئ بالملل أحيانا. إلا أن اللغة الشعرية والاستعارات الجميلة المستخدمة في الفصول الأخيرة من الكتاب مثل: "بريق المُدن وسحر الطبيعة" أضفت على النص جمالا أدبيا، لكنها قد تتعارض مع طبيعة الدراسة العلمية في بعض المقاطع.

 

وبالمجمل قدم الدكتور باسم عبد علوان في كتابه "هي والآخر" دراسةً عميقةً تستكشف دور الأمومة والذكورة في الطبيعة والمجتمع البشري، مع تركيز خاص على التفوق البيولوجي والاجتماعي للأنثى كضامن لاستمرارية الحياة. وقد اعتمد الكاتب على أمثلة من عالم الحيوان والنبات لإثبات فرضياته، وقدم تحليلا نقديا للتحولات الاجتماعية التي أثرت على علاقة الجنسين عبر التاريخ.

 

ومثلما قال الأستاذ الدكتور أحمد مرزوق في كتابه "فروق ومسافات": "هذه الكلمات ليست للقارئ المتعجل، ولا للمستهلك السريع"، أرى أن الدكتور باسم أراد من كتابه هذا أن يتوجه إلى المتخصصين والمهتمين بالدراسات الاجتماعية والبيولوجية، وبعض القراء الراغبين في فهم أعمق للعلاقات بين الجنسين دون سواهم، فهو كتاب لا يتوجه للقارئ العادي في كثير من محتواه وفصوله.

 

ومع ذلك أرى أنه كتابٌ طموحٌ وجريء يستحق القراءة لما قدمه من تحليلٍ ثريٍ ومثيرٍ للتفكير، فهو قدم رؤيةً نقديةً عميقةً لدور الجنسين في الطبيعة والمجتمع في ظل النقاشات المعاصرة حول المساواة بين الجنسين والحديث عن الجندر. وقد اعتمد على أدلة بيولوجية واجتماعية قوية، لكنني أنصح بتوخي الحذر عند تعميم الاستنتاجات البيولوجية التي خرج بها على المجتمعات البشرية، والاعتراف بأن الإنسان كائنٌ معقدٌ تتشكل سلوكياته بعوامل متعددة تتجاوز الغريزة والبيولوجيا. ومع أن الكاتب وقع أحيانا في فخ التعميم والتحي، لكن الكتاب يبقى رغم ذلك عملا قيما يسهم في فتح النقاش حول الأدوار الجندرية ويدعو إلى إعادة تقييم المفاهيم التقليدية للزواج والأسرة والعلاقات الإنسانية.

 

يقع كتاب "هي والآخر" بمائة واثني عشر صفحة من الحجم الصغير، وقد صدر عن دار الورشة البغدادية بحلة أنيقة وقشيبة يزينها غلاف جميل معبِّر ومتوافق كليا من حيث التصميم والشكل مع مضمون الكتاب ومحتواه، قامت بتصميمه الفنانة سوسن كاظم الشويلي.

أعدت قراءة الكتاب مرتين متتاليتين وكل الذي أحلم به أن يجد الكتاب طريقه إلى أيدي شبابنا الذين هم بحاجة اليوم إلى القراءة كمنفذ وحيد لولوج عالم العلوم والتطور التكنولوجي المعاصر الذي لا يتيح للأميين والجهلة ان يجدوا مكانا بين صفوف طلابه.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.