كـتـاب ألموقع
لماذا نصدقهم؟؟// سامح إدوار سعدالله
- المجموعة: سامح ادور سعدالله
- تم إنشاءه بتاريخ الخميس, 04 كانون1/ديسمبر 2025 18:42
- كتب بواسطة: سامح إدوار سعدالله
- الزيارات: 673
سامح إدوار سعدالله
لماذا نصدقهم؟؟
سامح إدوار سعدالله
كاتب وشاعر مصري
لماذا نصدقهم؟ ولماذا نُحب من يخدعنا؟!
ليس هناك دليلٌ دامغٌ على صدق ما يقولونه، ورغم ذلك، نحن نصغي لهم، ونعجب بخطبهم المتقنة، ونصفق لكلماتهم المنمقة، رغم علمنا من داخل أعماقنا، ونحن على يقينٍ كامل، أنها كذبٌ محض، ملفوفٌ بورق السلوفان الفاخر للهدايا. لأننا نريد ذلك؛ يعجبنا مديحهم وغشهم، فهو يروق لنا، مثل الملوك والسلاطين قديمًا، عندما كانوا يهبون الشعراء الهبات والعطايا من أجل أغراض المديح التي لا تخلو من الكذب والزيف، حتى قيلت العبارة المشهورة, "أعذب الشعر أكذبه" فلذلك نجدهم حاضرين في كل المناسبات ويتشكلون مثل الحرباء، على كل لون، بما يتوافق مع البيئة التي يريدون التكيف معها، ولا يجدون ثمة مشكلة في ذلك، فهم لا يهمهم الحق، ولا يؤرقهم الصدق، بل يسعون فقط للظهور، لصناعة هالةٍ حول أنفسهم حتى وإن كانت مبنية على الزيف والخداع، يحدثون الفرق فقط في عيون البسطاء، يسرقون بريق المواقف، هذه صنعتهم، وهم باهرون في ذلك، جديرون بخطف الأضواء وتسليطها عليهم علاوة على ذلك بالطريقة التي يحبونها، هم مثل القبور المبيّضة من الخارج، وداخلهم مساحات سوداء كبيرة وغائمات كبيرة، تستطيع أن تغرق كل شيء جميل، ينسجون لأنفسهم بطولات وهمية على حساب الآخرين، فيشوّهون الوقائع، ويحرفون النوايا، ويبنون من الكذب سلّمًا يصعدون به على حساب الكرامة، حيث إن كلمة الكرامة لا تعني لهم شيئًا إطلاقًا، لذلك تشعر كأنهم متخصصون في شتى مجالات النفاق والكذب، فهم وصوليون نافذون، يبنون مجدهم وثرواتهم على جثث غيرهم، لا يبالون بشيء، فعندما يُترك لهم العنان، ولأن "إذا حدّث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر"، تراهم يتقنون الأقنعة، يتحدثون بوجه، ويخفون وجوهًا كثيرة، يتلونون كالحرباء وفق المقام، ينافقون هذا، ويخدعون ذاك، يزرعون الشك في القلوب، ويغرسون الريبة في العقول، البارع منهم قد يصل إلى حد فلسفة السفسطائيين الذين يجيدون اللعب بالألفاظ وتزيين الباطل، وفي بيئات العمل ترى الموظف المتسلق يترقى سريعًا لا لأنه الأجدر، بل لأنه البارع في النفاق، يثني على المدير، وينقل الكلام، ويُجيد القناع، فيكافأ، بينما يُقصى صاحب الموقف الصادق لأنه لا يجيد التصفيق. ونحن بدورنا نشارك أحيانًا في هذا العبث، حين نُحسن الظن بالكذب، ونسوغ النفاق تحت مسمى "الذكاء الاجتماعي"، فالذكاء نفسه متعدد ومختلف، هناك ذكاء اقتصادي واجتماعي ومكاني وديناميكي ورياضي وفيزيائي، وغيرها، وما يهمنا هنا هو الذكاء الاجتماعي، إذن نحن أمام ظاهرة جديرة بالتأمل، فلماذا نصفق للمنافق، ونفتح له الطريق، بل ونستأنس بحيله ومؤامراته كأننا نطلب المزيد؟ مثلما تنتظر الأرض العطشى المطر، نحن - للأسف - ننتظر الكذبة الجديدة، الرواية المختلقة، السيناريو المعد بعناية، الذي يشبع غرورنا، ويرضي نقصًا في داخلنا، لإرضاء فضولنا الساذج، فنطيل مجالسنا في استهلاك الزيف، ونغرق في دوامة الأكاذيب حتى لا نعود نفرّق بين الخداع والصدق، وانظر كيف أصبح المشهد شائعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، يُروّج لمن يجيد الظهور لا لمن يحمل القيمة، كم من شخص يحصد آلاف الإعجابات لمجرد جملة مفبركة أو عرض مزيف، بينما تُهمل الكلمة الصادقة لأنها لا تواكب الضجيج، وإذا وُجّه الكاذب، أو كُشف المنافق، تجده يتصنّع البراءة، يتقن دور الضحية، ينكر، يلتف، يبرر، وتأتي الجملة الجاهزة: "والله أنا ما قلت كده، الناس فهمتني غلط!"، ثم تمضي الحلقة الدائرة، ويظهر منافقٌ جديد، أو كاذبٌ آخر، بوجهٍ مبتسم، وقلبٍ أسود، ثم نشتكي نحن، الضحايا الصامتون، من ضيق الحال، ومن تردي الثقة بيننا، من قسوة الحياة، ومن بُعد البركة. أخي المواطن، أستاذي الفاضل… هل سألت نفسك كم مرة استمعتَ أو روّجتَ أو حتى صمتَّ أمام الكذب؟ كم ساعة قضيتها في مجالسة منافقين يُجيدون الكذب كما يتنفسون؟ المعيشة صعبة، نعم، لكن الصدق يُنير الطريق، والنفاق يُعمي البصيرة، لكننا نحن من نبتغي ذلك ونقدره، الحياة لا تحتاج إلا وقفة مع النفس، لا بد أن تكون صادقًا مع نفسك، تتأملها جيدًا: هل أنت في حاجة لمثل هذه الجرعات من المسكنات والمهدئات؟ لماذا نفرح بمن يضحكوننا ويضحكون الناس علينا، ونغضب ونبكي من الذين يُبكوننا ويُبكون البشر علينا؟ كما يقول المثل المصري القديم: "يا بخت من بكاني وبكى الناس عليّ، ولا ضحكني وضحك الناس عليّ"، الجلوس خلف الستائر المغلقة، حيث تتعانق الأكاذيب والنوايا المسمومة، هو خيانة للحقيقة، خيانة للإنسانية، خيانة للذات أولًا، لا تبنِ بيتك على هذه الأباطيل، فهي لا تدوم، لا تعمّر، لا تكتمل حتى النهاية، رغم جمالها وبريقها، هي لا تتمدد ولا تتجذر في الأرض، لأنها ببساطة مجموعة من الأوهام المتراكمة في ذهنك، وأنت الذي أفسحت لها الطريق، لتمتد في داخلك دون أن تتشعب بجذورها، تمامًا كأنك تزين شجرة صناعية بأبهى الألوان لكنها لا تثمر ولا تنمو، الكذب ليس حيلة مثل باقي الحيل الدفاعية غير المباشرة التي يلجأ إليها الإنسان للهروب من الواقع والتكيف مع بيئته، بل هو سمٌّ يتسرّب ببطء إلى عروق المجتمعات، كما أن النفاق ليس دبلوماسية ولا حنكة ولا خبرة، بل هو من طبائع الجبناء، الحريصين على كسب أي معركة دون شرف، أشبه بالضباع التي تفترس ضحيتها في أي مكان من جسدها، خصوصًا الأماكن الضعيفة، تنهشها وتأكلها دون رحمة وهي حية، النفاق مثل السرطان الذي يقتل الثقة ويقوّض الأخلاق، عزيزي الإنسان، حرّر نفسك من هذه الازدواجية، لا تكن بوجهين، ولا تقبل أن تُصفق لكذبة تشبهك، درّب قلبك أن يحب الصدق حتى لو كان موجعًا، لأن الحقيقة وحدها تُحرّر، فالكاذب لا يُؤمَن جانبه، والمنافق ليس له وطن، كنبت شيطاني لا تربة له , بل كل الأرضي ينتشر فيها و يتكيف معها, كذلك في العقول المريضة والنفوس الضعيفة، إنهم المرايا الكاذبة العاكسة للوهم، لا أكثر.هكذا يصعد المنافقون... ونحن نحملهم على أكتافنا.
المتواجون الان
547 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع


